استسلم ايهود باراك لحكم الناخب الاسرائيلي وسلّم بمشيئته اليمينية وقبل مرغماً بالتخلي عن الحقيبة الأمنية والعودة الى صفوف المعارضة. وبرضوخه للأمر الواقع ربما يفكّر في انه يستطيع من مكانه السفلي في المعارضة ان يلتقط الفرص التي قد تسقط من ثقوب حكومة التشدد والتطرف لعلها تفيده في انقاذ ما يمكن انقاذه من حزب العمل المتلاشي بهمة زعيمه جنرال الجنرالات.
تسيبي ليفني ايضاً تفكّر ايضا في ان تحذو حذو شريكها السابق في الحكومة المودّعة، لكنها لا تزال متردّدة. ساعة تقول "نعم" لحكومة وحدة وطنية مع خصمها اللدود بنيامين نتنياهو، وساعة اخرى تقول: لا! عينها على الحكم وقلبها على المعارضة التي تأمل في ان تعيدها بقوة اكبر الى السلطة اذا ما اخفق خصمها. غريب أمر النساء ! ليفني كانت اكثر المتحمسين لحكومة وحدة وطنية لو كلفها شمعون بيريس تأليف الوزارة، لكن هذه الحماسة للوحدة تبخرت عندما ذهبت الرئاسة الى غيرها. وهل من شك بعد ذلك في ان حال اسرائيل افضل من حال "الشخصي" و"الحزبي"، عند قادتها (مثل حالنا)، وأقوى بكثير من "الوطني" و"الوحدوي" اللذين تحولا بضاعة للبيع والشراء؟
الأب "ليكود" قلب العقدة الأوديبية الشهيرة عندما انتقم من ابنه "كاديما" قبل ان يقضي الولد على أبيه. واذا كان الأب لا يزال يحتاج شكلاً الى بقاء ابنه في بيته الحكومي ليتاجر بمحبته وليوحي لـ"عائلة" المجتمع الدولي و"الام الحنون" اميركا انه لن يقطع الأمل بالسلام واقامة الدولتين، فانه لن يحرد اذا قررت ليفني الخروج فذلك يسهّل مهمته الشخصية بقدر ما يعقّد عملية السلام لا بل يقلّب صفحتها الى أمد طويل طويل.
أصلا نتنياهو لا يحب السلام ولا من ينطق لغته وان يكن الرئيس السابق بيل كلينتون أرغمه مرة على السير في مفاوضات واي بلانتايشين واتفاق الخليل الذي لم ير النور.
ولكن كيف سيكون السلام ونتنياهو محوط في مجلسه الوزاري باحزاب "اسرائيل بيتنا" المتطرف، و"شاس" المتزمت، والاتحاد الوطني نصير المستوطنين. فالاتحاد الوطني سيستغل كل الجلسات الوزارية ليرفع صوته مطالباً بتوسيع الاستيطان في القدس الشرقية والضفة الى أبعد حدود، وبتشريع المستوطنات العشوائية. وستلقى مطالبته اصداء مرحبة في الشارع الاسرائيلي، وسيتحول بطلاّ ونوابه الاربعة نجوماً. وقد لا يتوقف "النق" قبل ان يكون البناء الاستيطاني وجدار الفصل ابتلعا ما تبقى من ارجاء الضفة. في حين ان "شاس"، ومعه نصف وزراء "ليكود" على الأقل، سيصرخون ليل نهار مطالبين باستكمال تهويد القدس الشرقية حتى لا يفلت زاروب واحد منه. وفي اوقات الفراغ سيتسلون بالتهديد والوعيد وشن الحرب تارة على ايران، وطوراً على لبنان وغزة. اما افيغدور ليبرمان الذي وصفه محمد دحلان بانه "رجل سلام" (بحسب ما جاء في كتاب جديد ليوسي بيلين)، فلن يستريح قبل ان يضمن خلو الجليل والمثلث والنقب من كل الذين لا يعتبرون ان اسرائيل دولة يهودية صهيونية، ولا يعتبر نشيد "هتكفا" نشيده. وهكذا يعبّر عن رغبته في عدم وجود عربي خلف الخط الأخضر. وبما ان المستوطنات ستنهش ما تبقى من ارض الضفة، فما على هؤلاء سوى الرحيل الى شتات جديد!!!
"تباشير السلام" تلوح في الأفق الاسرائيلي. واذا كان باراك وليفني يعتقدان ان وجودهما في المعارضة قد يحسّن شعبيتهما بين الاسرائيليين، فغالب الظن ان الوقت لن يطول قبل ان يكتشفا انهما كانا على خطأ كبير بتخليهما عن الحقائب السلطوية وخصوصاً منها المتعلقة بالامن وتوابعه. ذلك ان المقياس الوحيد للشعبية في المجتمع الاسرائيلي بات القتل والتدمير والتهديد بهما، ولم تعد تجدي نفعا كل الوعود بدولتين لن تريا النور ابداً في المدى المنظور.
واذا كان بعض العرب يراهن على التغيير الذي حصل في الولايات المتحدة للجم جنوح اسرائيل الى التطرف، فعلى الارجح انه واهم، لا شك بنيات باراك اوباما بل نظراً الى التركة الهائلة من العقد المتشابكة التي ستعمي رؤيته.
أمين قمورية




















