غسان تويني
هذا الشعار الذي أطلقه رئيس الجمهورية اللبنانية في ختام مناقشته مع الوفد الداعي الى حكم مدني في لبنان – ونظنّه جاء في لحظة إلهام نادرة عند الحكام، وخصوصاً إذا كان لا ماضي سياسياً لهم غير قيادة جيش رسالته السلام ونادراً ما جرّبه قادته في عملية حربية أو قمعية، حتى ولا ردعاً.
… هذا الشعار نظنه يصلح شعاراً للحوار الاقليمي الذي يقول الرئيس أوباما إنه يريد إطلاقه مع جميع دول المنطقة "وهذا سيشمل ايران وسوريا" (لماذا هذا التحديد يا ترى؟ أوَيريدنا الانطلاق من شعور – ولا نقول من اتهام بأن إيران وسوريا هما "المشكلة" أو العقدة الواجب حلها ولا يمكن تجاوزهما للوصول الى حالة سلام) وهي الحالة التي في نظرنا عناها الرئيس الأميركي ولو لم يسمِّها، بالشعار الذي أطلقه الرئيس اللبناني في "لحظة إلهام" كما قلنا…
وأهم ما في الكلام الرئاسي أنه لم يأت كدعوة رسمية الى "مؤتمر سلام" كان يصعب بل يستحيل أن نضع لها المحبة شعاراً أو مطلباً أو "جدول أعمال"، بل جاءت الدعوة في شكل اقتراح "حوار مبدئي ومستدام" متعدد الطرف والموضوع. والحوارية بين الدول كما بين الأفراد تفترض حداً من المحبة – ولنقل الانفتاح المحب – بين الأفراد كما بين المجتمعات والدول، وهذا أصعب منالاً من "نظامية" المؤتمرات وجدولة أعمالها وقواعد المخاطبة ومسالك التفاهم.
علماً بأن على طاولة الشرقين الأوسط والأدنى مؤتمراً "شاملاً" توزعت محادثاته لقاءات ثنائية بعضها توقف كاللقاء الثنائي اللبناني – الاسرائيلي عندما "اكتشف" المعنيون أن لا قضايا عالقة بين البلدين من الطراز الذي يصحّ بحثه في "مؤتمر" كهذا، ربما لغياب المحبة كما الديمقراطية عن العلاقات بين الطرفين.
• • •
هنا، لا بد من تأكيد ما كررناه مرارا ولا نزال عن الفرق بين الحوار والمناقشة أو المفاوضة. الحوار يجري بين فريقين أو أفرقاء يريدون التوصل الى تفاهم او وفاق، من غير ان يكون واحد خرج خاسراً والآخر رابحاً. وهنا دور المحبة في ممارسة الديمقراطية. فالمتحاورون متى توصلوا الى توافق او وفاق، تقوم علاقة بينهم متآلفة، متجوهرة بالمحبة والحرية، في حين أن المتناظرين تنتهي المناظرات بينهم الى خاسر يكره الذي ربح عليه، مهما كانت المناظرة منطلقة من قواعد منطقية، عقلانية.
كيف نضمن ان يستمر الحوار "حوارياً" وألا يتحول مناظرات تنتهي بغالب ومغلوب؟ بالاتفاق بين المتحاورين على أنهم يريدون التوصل معاً وبحرية، أي من دون إكراه – ينتهي الى حكم استبدادي بدل الديمقراطية – والتوصل الى ذلك غير ممكن ما لم تُرسم قواعد للحوار ومنطلقاته التطلع الى نتائجه بغية الحؤول دون الوصول الى نقيض ما هو مرتقب ومطلوب.
عند هذا الحد يكتسب الفرح معنى مشتقاً من الحرية متجوهراً بالمحبة التي يصير معناها شركة في البحث عن الحقيقة الواحدة المشتركة، لا في الصراع على تغليب حقيقة على أخرى واستطراداً سلوك طريق الصدام بل الصراع على المجهول.
ولا يهوّلن أحد على اللبنانيين، بأن الانتخابات المقبلة ستنتهي الى قلب موازين الاكثرية والأقلية… الانتخابات متى جرت بحرية، تبطل أن تكون عملية سباق حسابي لتصبح تسابقاً الى العناق بين جميع اللبنانيين كي يسلكوا معاً طريق الحكم المشترك لمجتمع سياسي متوحّد في محبة الآخر…
وتلك تكون الحرية لأن لا إكراه في المحبة، والفرح.
أملنا ان تجيء الانتخابات المقبلة تسابقاً على طريق واحدة في اتجاه واحد ينتهي بعناق بين المتسابقين ولا غالب بينهم ولا مغلوب، بل فريقان وأفرقاء انتهى بهم الحوار الى التفاهم على الهندسة الواحدة لبناء بيت النظام الديمقراطي ولا إكراه ولا استبداد.
ghs@annahar.com.lb




















