الحياة
سيكون انهاء التدخل الاميركي في افغانستان اصعب مهمة تواجه ادارة باراك اوباما. وسيرتبط ذلك بتنفيذ الاهداف التي وضعها اوباما لتدخله هناك، اي وضع حد لاحتمال التخطيط لشن هجوم ارهابي جديد على الاراضي الاميركية أسوة بـ 11 سبتمبر، انطلاقاً من الاراضي الافغانية، ومن منطقة الحدود مع باكستان على وجه التحديد.
في حديثه التلفزيوني الاخير قال الرئيس الاميركي إنه لا يريد «وجوداً عسكرياً طويل الأمد» في ذلك البلد، لكن الانسحاب لن يتم قبل التأكد من ان اميركا لا تترك وضعاً في افغانستان يتيح تنفيذ عمليات ضدها. لكن هل هناك واقعياً فرصة لمثل هذا الاحتمال، بعد عودة «طالبان» الى شبه نشاطها السابق قبل التدخل الاميركي، وخصوصاً في المناطق التي تسيطر عليها القبائل في جنوب شرقي البلاد، ومع تراجع سلطة حميد كارزاي، الذي يصفه اوباما بأنه رئيس لا يمكن الوثوق به ويتمتع بقدر قليل من النفوذ؟
لقد رافق قرار اوباما بإنهاء التدخل الاميركي في العراق تأكيد متكرر على اهمية المهمة التي تقوم بها القوات الاميركية لاعتقال المسؤولين من قادة «القاعدة» عن هجمات 11 سبتمبر وجلبهم الى العدالة. وكان مأخذ اوباما على سلفه جورج بوش، خلال الحملة الانتخابية الرئاسية، انه ضاع في المغامرة العراقية عن الهدف الحقيقي الذي كان يجب ان ينصب الجهد عليه، اي تنظيم «القاعدة». لكن الرئيس الجديد سيكتشف ان هذه المهمة ليست بالسهولة التي يتصورها، وهو ما يفترض ان يكون قد نقله إليه ممثله الشخصي ريتشارد هولبروك بعد جولته الاخيرة على الدول الثلاث التي تملك المفاتيح الحقيقية في هذا النزاع، اي افغانستان وباكستان والهند. فالود المفقود بين كابول واسلام اباد والنزاع الداخلي المستفحل في باكستان بين الرئيس زرداري وجماعة نواز شريف ومنح وادي سوات ما يشبه الاستقلال الذاتي والحق بتطبيق الشريعة الاسلامية، كل هذه عناصر يصفق لها قادة «القاعدة» ويعتبرون انها تخدم هدفهم بإبقاء المواجهة معهم من قبل الاطراف الاقليمية الاساسية احتمالاً بعيد المنال. ويخشى المسؤولون الاميركيون والاوروبيون ان يتحول وادي سوات نتيجة تخفيف قبضة الحكومة المركزية في اسلام اباد الى ملاذ آمن لمقاتلي «طالبان»، في منطقة تبعد اقل من 120 كيلومتراً عن العاصمة ويتمتع فيها قادة «طالبان» و «القاعدة» بإمكانات التحرك بسهولة.
يقترح هنري كيسينجر في مقال اخير نشره في صحيفة «انترناشونال هيرالد تريبيون» على ادارة اوباما حلاً لافغانستان يقوم على «تحييدها»، أسوة ببلجيكا وسويسرا. لكنه يقر ان مثل هذا المخرج في بلد عانى المحتلون دائماً من شراسة المقاومة فيه، لا يمكن تطبيقه الا بالاتفاق مع جيرانه وبموافقة الاعضاء الدائمين في مجلس الامن. فافغانستان اصبحت مشكلة دولية وحلها بات يحتاج بالتالي ان يكون حلاً دولياً. وعلى مجلس الامن ان يضطلع بدور في إعادة إعمار افغانستان وبناء مؤسساتها، مقابل فرض التزامات عليها تمنع تورط مجموعات على ارضها في التخطيط لأعمال ارهابية.
هناك ايضاً الحل العسكري الذي يقترحه الجنرال ديفيد بترايوس الذي ينسب اليه الاميركيون الفضل في قلب الوضع العراقي رأساً على عقب، بحيث صار ممكناً تنفيذ خطة اوباما بتخفيف الوجود الاميركي. ويعتقد بترايوس ان دعم القوات الاميركية في افغانستان بقوات اضافية (يجري الحديث عن 17 الف رجل) سوف يسمح بالسيطرة على الـ10 في المئة من المناطق الافغانية التي يأتي منها 80 في المئة من التهديد للوضع الامني، سواء في الداخل او حتى في التخطيط لاعمال خارجية.
هل تتحول افغاستان الى فيتنام اوباما؟ هل تصبح حربه مع «القاعدة»، اذا شاء خوضها الى نهاياتها، اي الى الإمساك بابن لادن والظواهري وسائر المجموعة، شبيهة بالحرب التي خاضها نيكسون مع ثوار الفيتكونغ مع النتائج الكارثية ذاتها؟ وهل تصبح الحرب الافغانية علامة فارقة في سجل هذه الادارة بعد وعودها الانتخابية الكبيرة، تماماً مثلما تحولت حرب العراق الى علامة لادارة بوش وعلامة لهزيمته ايضاً؟




















