لم يعطِ دستور ما قبل الطائف المنبثق من دستور 1926 و"ميثاق 1943"، والذي وحّد اللبنانيين حول الاستقلال، لم يعطِ لبنان الاستقرار والطمأنينة. لقد لازمت كل عهود جمهورية الاستقلال الاولى ازمات سياسية ليست بالضرورة من صنع الدستور ولا ميثاق 1943. وادت هذه الأزمات الى ارغام معظم رؤساء تلك العهود الى الخروج من السلطة ولبنان منقسم على ذاته وبنيته أضعف وفي حاجة الى وقاية فائقة لضمان الوحدة الوطنية.
الرئيس الاول للاستقلال أُجبر على الاستقالة في منتصف عهده بعد انتخابات نيابية (1947) سادها التزوير وتبعها تعديل الدستور وتجديد ولايته. والرئيس الثاني انتهت ولايته بثورة اتهمته بمحاولة التجديد وبأخذ لبنان الى تحالف غربي ومع بعض الدول العربية في وجه الموجة الناصرية التي سادت العالم العربي. وفي هاتين الحالتين حلَّ في الرئاسة المنافس الاول والخصم الاكبر للرئيس المستقيل او المنتهية ولايته.
اما الرئيس الثالث فشهد في النصف الأول من عهده محاولة انقلاب نالت من برنامجه الاصلاحي وادّت الى تقوية استخبارات الجيش وقيام كتلة نيابية موالية مدعومة من الشعبة الثانية، اتت بالرئيس الرابع واستمرت الى حين انهزامها ديموقراطيا في صيف 1970. وشهد عهد الرئيس الرابع ظهوراً وتصاعداً لعسكرة المخيمات الفلسطينية وتحالفها مع قوى سياسية لبنانية تقليدية ويسارية، فانفجر الوضع اللبناني في عهد الرئيس الخامس عام 1975 نتيجة صراعات داخلية واقليمية. استمرت الحرب 15 عاما مستهلكة عهدين آخرين وانتهت بمؤتمر الطائف عام 1989 بعد تفاهم اقليمي ودولي. ووضع اتفاق الطائف الاسس لتعديل جذري للدستور وبدء جمهورية الاستقلال الثانية مع اقرار التعديلات الدستورية عام 1990.
قضت التعديلات على الصلاحيات الواسعة التي كان يتمتع بها رئيس الجمهورية الماروني منذ الاستقلال. وشكل قسم من تلك الصلاحيات عبئا كبيرا على الطائفة المارونية خاصة كلما حاول الرئيس ممارسة صلاحياته حسب الدستور في ظروف وطنية صعبة وانقسامات طائفية متجذرة.
ما هي الصلاحيات الاساسية التي خسرها رئيس الجمهورية؟ كيف مارسها رؤساء جمهورية الاستقلال الاولى؟ وهل كانت هذه الصلاحيات فعلاً سبب الأزمات المشار اليها اعلاه؟ وما هي تعديلات الطائف؟
اولاً، صلاحية الرئيس في حل مجلس النواب مورست مرة واحدة في كل من عهدي الرئيسين كميل شمعون وفؤاد شهاب فحسب. ورغم ان ذلك لم يسبب اي مشكلة سياسية، الا ان دستور الطائف سحب الصلاحية من رئيس الجمهورية واعطاها لمجلس الوزراء مجتمعاً، وفقط في حالات نادرة عند اتهام مجلس النواب ب" شل يد الحكومة عن العمل".
ثانيا، اعطى دستور الجمهورية الاولى للرئيس الحق في تسمية الوزراء واختيار رئيسٍ من بينهم. لكن العرف الذي أُتبع خلال عهود جمهورية الاستقلال الاولى هو ان يقوم رئيس الجمهورية بمشاورات نيابية ويختار رئيس الحكومة في ضوء نتائجها غير الملزمة. وعندما كان الرئيس يسمي رئيساً لحكومة من دون الاخذ في الاعتبار رأي الاكثرية النيابية وخاصة رأي الطائفة السنية، كان يواجه بمعارضة قوية واحتجاجات صاخبة. وكان الرئيس يضطر في معظم الاحيان الى التراجع عن قراره.
وكان الصراع بين الدستور والعرف يظهر ايضا بين الحين والآخر عند تأليف الحكومة بين رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة المكلف حول تسمية الوزراء، وكانت الغلبة في معظم الأحيان للدستور مما حمل البعض في كثير من الاحيان على وصف رئيس الحكومة بـ"باش كاتب"، فكان على من يطمح الى ترؤس الحكومة ان يساير الرئيس ويتقرب منه.
في الطائف أُتفق على ان تكون الاستشارات النيابية ملزمة فَيُكلف رئيسا للحكومة من تختاره الاكثرية النيابية وليس رئيس الجمهورية. واخرج هذا القرار رئيس الجمهورية من حالات الخلاف الطائفي وجعله فوق الانقسامات السياسية. وحافظ دستور الطائف على حق رئيس الجمهورية في عملية تشكيل الحكومة على ان يتم تشكيلها بالاتفاق مع رئيس الحكومة. ولم يكن هذا التعديل مشكلة الاّ انه اطلق يد رئيس الحكومة في تشكيلها دون مهلة محددة تفرضها الحاجة الى عدم تعطيل آلة الدولة فترة طويلة.
ثالثا، اعطى دستور 1943 الرئيس صلاحية اقالة رئيس الحكومة والوزراء ولم يلجأ اي من رؤساء جمهورية الاستقلال الاولى الاّ نادراً الى ممارستها تجنبا لاثارة الحساسيات السياسية والطائفية. لكن كثيرا ما كان رئيس الجمهورية يوحي لرئيس الحكومة او لوزراء اساسيين بالاستقالة فيتم التبديل من دون ضجة تذكر.
ناط دستور الطائف صلاحية اقالة الوزراء بتوقيع رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة بعد موافقة ثلثي اعضاء مجلس الوزراء. طبعا، بقي في دستور الطائف امكان حل الحكومة في خمس حالات اخرى منها استقالة رئيسها او حجب الثقة عنها في مجلس النواب.
رابعا، كان للرئيس في جمهورية الاستقلال الاولى صلاحية عدم عرض مشاريع القوانين على مجلس الوزراء وتجميدها ووضعها في الادراج اذا لم يكن مقتنعا بها. سحب دستور الطائف من الرئيس هذه الصلاحيات والزمه اصدار القوانين التي تتم الموافقة النهائية عليها في خلال شهر بعد احالتها على الحكومة وطلب نشرها.
خامسا، أعطى دستور الطائف الرئيس 15 يوما فقط لكي يطلب من مجلس الوزراء اعادة النظر في قراراته. واذا اصر مجلس الوزراء على القرار المتخذ او انقضت المهلة المحددة من دون اصدار المرسوم او اعادته الى مجلس الوزراء، يعتبر نافذا حكما ووجب نشره. ولم يحدد دستور الطائف لرئيس الحكومة او الوزراء اي مهلة لتوقيع المراسيم والقوانين فاعطاهم حق وضعها في الادراج، اي انه اعطاهم صلاحيات كانت مصدرا للشكوى لأنها اعتبرت معرقلة لسير الحكم.
سادساً، نقل دستور الطائف من رئيس الجمهورية الى رئيس الحكومة صلاحية الدعوة الى انعقاد مجلس الوزراء ووضع جدول اعماله على ان يطلع رئيس الجمهورية مسبقا على المواضيع التي يتضمنها وعلى المواضيع الطارئة التي ستبحث، وعلى ان يكون لرئيس الجمهورية حق عرض اي امر من الامور الطارئة على مجلس الوزراء من خارج جدول الاعمال.
اذاً، نقلت تعديلات الطائف السلطة من رئيس الجمهورية الى مجلس الوزراء. ولكن الغت معها دور الرئيس في حسم الخلافات اذا وقعت في المجلس، خاصة ان دستور الطائف اشترط اكثرية الثلثين لاتخاذ قرارات تعتبر مصيرية او ذات منفعة عامة.
لم تكن هذه المسألة موضع تدقيق ونقاش كما هي اليوم لأن سوريا كانت خلال فترة وصايتها على لبنان تحسم في القضايا المختلف عليها بواسطة مسؤوليها في لبنان او من خلال ارسال موفد الى بيروت. وكثيرا ما كان ينتقل اهل الحكم في لبنان الى دمشق عارضين خلافاتهم على الرئيس السوري الذي اصبح الحُكْم والَحَكم. بيد ان الامر اختلف بعد انسحاب الجيش السوري من لبنان.
وللاسف، تفاقمت الخلافات بين اللبنانيين بعد انتهاء عهد الوصاية السورية وتعطل البلد لاكثر من سنتين، مما سمح بعودة النفوذ الخارجي الى لبنان. ولم تنتهِ الازمة الا بعد اشتباك مسلح كاد يتحول حرباً مذهبية واهلية ووساطة عربية من خلال مؤتمر الدوحة. ان انتخاب رئيس للجمهورية في ايار 2008 وتأليف حكومة ائتلافية لم يحلا مشكلة الحسم بين المتخاصمين، وهناك من يدعي ان الدولة اليوم معطلة بسبب "الثلث المعطل" او اكثرية الثلثين التي حددها دستور الطائف للبت في امور مصيرية وذات منفعة عامة.
يحتوي دستور الطائف على بذور تعطيله وشل المؤسسات الدستورية ما قد يؤدي في بعض الاحيان باللبنانيين الى الاقتتال كما حدث في ايار 2008. ما ينقص دستور الطائف وجود مرجعية عليا تحسم بين الافرقاء المختلفين عند نشوب نزاع خاصةً حول المادة 65 وغيرها من المواد الدستورية الاساسية. ليس المقصود هنا الانتقاص من ديموقراطية الاصلاحات التي ادخلها الطائف لتعزيز المشاركة في السلطة، وليس المقصود استعادة صلاحيات الرئاسة والعودة الى دستور ما قبل الطائف، بل ان الهدف هو ايجاد مخرج دستوري لأزمات النظام التعطيلية من خلال دور مرجعي وتحكيمي لرئيس الجمهورية. بكلام آخر، ان المقصود هو الوصول الى استقرار يريح اللبنانيين ويصرفهم عن الهجرة المؤقتة او الطويلة المدى.
ان التوافق اللبناني والاقليمي والدولي على شخص الرئيس العماد ميشال سليمان في اتفاق الدوحة (ايار 2008) كرّس عمليا نظرية "الرئيس الحَكم" الموجود على مسافة واحدة من الافرقاء اللبنانيين والمحاور الاقليمية. ولكن احتمال الشلل والتعطيل يبقى وارداً في اي لحظة بسبب غياب الصلاحيات الدستورية التي تسمح للرئيس بممارسة هذا الدور.
ويعتقد عدد من المراقبين والسياسيين ان حل هذه المشاكل يكمن في قيام كتلة مستقلة او وسطية تسمح لرئيس الجمهورية بترجيح الكفة في الاتجاه الذي يراه مناسباً للخروج من الانسداد عندما يحصل، بسبب عدم قدرة اي من الاطراف على الحسم ديموقراطياً. هذه الفكرة ليست عملية لانها ترغم رئيس الجمهورية على ان يصبح طرفاً في النزاع القائم اذا رجح كفة جهة على اخرى مما يُفقدَه صفة الحَكم دون أن يعود اليه دور الحاكم. ان "الرئيس الحَكَم" بحاجة الى وسائل دستورية يستعملها للضغط على الافرقاء المتخاصمين للاتفاق على القضايا العالقة فلا يرجح كفة هذا الفريق او ذاك.
لذلك، وبعد مراجعة للحال الدستورية والسياسية التي سادت في لبنان بعد الطائف وخاصة بعد انتهاء فترة الوصاية السورية، وفي سبيل الخروج من ازمات التعطيل التي يفرزها دستور الطائف، نقترح تفعيل دور "الرئيس الحَكم" باصلاحات دستورية يتمكن من خلالها رئيس الجمهورية بالفعل ان يكون حكما ومصدراً للاستقرار في السلطة:
– 1 اعطاء رئيس الجمهورية صلاحية حل مجلس النواب واقالة مجلس الوزراء فقط مرة واحدة خلال ولايته. ان استعمال ايّ من هاتين الصلاحيتين قد يفرض على جهات الخلاف الوصول الى تسوية والا واجه مجلس الوزراء الحل والعودة للاحتكام الى مجلس النواب. وفي حال حل مجلس النواب يكون الاحتكام الى الشعب. وتنبغي الاشارة الى أن في كثير من الاحيان في اعمال الديموقراطيات التوافقية يفضل المتخاصمون التسوية على خسارة مراكزهم.
– 2 من اجل حل خلاف محتمل بين رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة على تسمية الوزراء، يمكن تحديد مدة تكليف رئيس الحكومة بتشكيل الحكومة الجديدة والاحتكام الى مجلس النواب متى تعذر تأليفها. وفي امكان مجلس النواب بعد استشارات ملزمة يجريها رئيس الجمهورية حسم هذا الخلاف بترجيح كفة رئيس الحكومة واعادة تكليفه او ترجيح كفة رئيس الجمهورية بتكليف شخصية اخرى بمهمات تأليف الحكومة الجديدة.
– 3 بما ان رئيس الحكومة ينتمي في معظم الاحيان الى كتلة سياسية معينة، من الافضل ان يشترك "الرئيس الحَكَم" ورئيس الحكومة في وضع جدول اجتماع مجلس الوزراء للتأكد بان المواد المختلف عليها لا تعرض على المجلس قبل تبديد معظم نقاط الخلاف.
– 4 المساواة في الصلاحيات المعطاة لكل من رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة والوزراء في اصدار المراسيم والقوانين.
– 5 اشراف "الرئيس الحَكَم" على عمل الهيئات الرقابية في الدولة (ديوان المحاسبة،التفتيش المركزي ومجلس الخدمة المدنية). ان منطق فصل السلطات يحتم الا تكون الهيئات الرقابية في يد الحكومة المفترض ان تراقب هذه الهيئات اعمالها. من شأن هذا الاجراء ان يفعّل دور "الرئيس الحَكم" في صون آليات النظام الديموقراطي واحترام اصوله الدستورية وتفعيل الجهاز الاداري.
-6 من جهة اخرى وبعيداً عن المقترحات المتعلقة بتفعيل دور الرئيس الحَكَم، يجب اعادة النظر في آلية تكوين المجلس الدستوري وتأكيد استقلاليته بوضع قوانين تمنع تعطيله كما هي الحال في البلدان التي يوجد فيها مؤسسات مماثلة.
بالفعل كان للبنان في دستور 1943 نظام رئاسي تمتع فيه رئيس الجمهورية بصلاحيات كثيرة وكبيرة رغم عدم استعمال معظم هذه الصلاحيات. وجاء دستور الطائف ليعزز المشاركة في السلطة. الا ان التجربة كشفت الثغرات التعطيلية لهذا النظام وباتت الحاجة ملحة الى اصلاحات تعطي لبنان واللبنانيين الاستقرار والطمأنينة. ان لبنان في حاجة الى حَكَمٍ بين السلطات وضمنها يضبط ايقاعها ويوجه انحرافاتها في الاتجاه الوطني الصحيح.
ان دور "الرئيس الحَكَم" لايقتصر على صلاحيات دستورية اضافية، اذ إن له دوراً سياسياً مهماً. فلبنان مثل اي بلد في العالم فيه اكثرية وأقلية، ويمين ويسار ووسط، وشمال وجنوب وشرق وغرب. لكن لبنان فيه ايضاً ما يزيد عن 18 طائفة متجذرة تاريخياً، ولذلك ل "الرئيس الحَكَم" دور سياسي مُكَمل للاصلاحات الدستورية من أجل تثبيت موقع الحكم لرئيس الجمهورية في ادارة الحوار بين الافرقاء داخل السلطة وخارجها. و"الرئيس الحَكَم" هو معني ايضاً بحماية التوازن في الشارع كما داخل السلطة. ولأن رئيس الجمهورية حسب المادة 49 من الدستور هو رئيس الدولة ورمز وحدة الوطن الذي يُحتكم اليه في النزاعات والتسويات، فهو ايضاً صمام أمان استقرار العلاقات الوطنية والعيش المشترك.
(سفير سابق – رئيس مركز عصام فارس للدراسات اللبنانية)
"النهار"




















