المستقبل –
في وسائل اعلام الولايات المتحدة الأميركية يجري توصيف الحرب الدائرة في أفغانستان منذ عام 2001 على أنهما "الحرب الخيرة" ـ وهكذا نظرت اليها غالبية الأفغان بعد سقوط حكم "امارة الطالبان" على يد القوات الأجنبية الأميركية وحلفائها.
واليوم وبعد مرور سبع سنين ونصف يلتحق المزيد من الأفغان بصفوف الطالبان الذين ينشطون ويقاتلون في 34 محافظة أفغانية ويبنون قواعد لحكمهم موازية لتلك التابعة للدولة والتي يستشري فيها الفساد والرشوة ويحتل فيها "أمراء الحرب" السابقون مناصب القرار ومستفيدين من ذلك لترويج تجارة المخدرات التي بلغت أبعاداً لم تشهد من قبل، وكل هذا تحت سمع وبصر مستشاري البنك الدولي وقادة قوات حلف شمال الأطلسي والقوات الأميركية التي بنت هذا النظام وفرضت كارزاي رئيساً له مدعوماً من أمراء الحرب" المتعاونين مع قوات الاحتلال.
على هذه الخلفية كلف الرئيس الأميركي الجديد أوباما لحظة دخوله البيت الأبيض أربعة مستويات في ادارته لإعادة النظر في السياسة المعتمدة في أفغانستان: (Centcom) القيادة المركزية لقوات الولايات المتحدة الأميركية في الشرق الأوسط بقيادة الجنرال ديفيد بترايوس، والمسؤولة عن القوات العاملة في أفغانستان والعراق.
[ مجلس الأمن القومي، بقيادة الجنرال المتقاعد جيس جونن، والقائد السابق لقوات حلف شمال الأطلسي.
[ البنتاغون بقيادة روبرت غيتس، وهو الى جانب ج جونز وبترايوش من تركة ج. بوش.
[ وزارة الخارجية الأميركية، حيث عمدت هيلاري كلينتون الى تسمية ريشارد هولبروك مندوباً خاصاً لشؤون أفغانستان.
وأتى انعقاد كل من "مؤتمر الأمن" السنوي الخامس والأربعين في مدينة ميونيخ الألمانية واجتماع "المجلس الوزاري" لحلف شمال الأطلسي في كراكونا (بولونيا) ليشكلا مناسبة لقراءة ملامح اتجاه السياسة الأميركية "الجديدة" في أفغانستان.
التجاذب الأميركي ـ الروسي
في كلمته أمام "مؤتمر الأمن" تناول نائب الرئيس الأميركي جوي بايدن كافة الموضوعات ذات الاهتمام العالمي من انهيار النظام المالي العالمي الى حماية البيئة دون أن يخفي بأن الحرب في أفغانستان هي موضوع الاهتمام الرئيسي.
"فالحرب تزداد تعقيداً… وهي صراع طويل الأمد" كما أتى على لسان الجنرال ديفيد بترايوس الذي طالب الحلفاء بزيادة مشاركتهم جنوداً وعتاداً ومالاً، وعبر جوي بايدن عن ذلك أيضاً بقوله "الخبر الجيد: اننا سنعمل أكثر، والخبر السيئ: انكم مطالبون بالمزيد من المشاركة". وفي حين أكد بايدن على ضرورة التعاون بين الولايات المتحدة وروسيا "للتغلب على تنظيم القاعدة وطالبان" شدد ج.جونز على الدور الروسي معتبراً روسيا "الأمة الشريكة…" التي لا "يمكن الاستغناء عن دورها للسيطرة على الوضع ومنعه من التفاقم في أفغانستان ـ وبعد اقراره بالأخطاء الاستراتيجية التي ارتكبتها الولايات المتحدة الأميركية في حرب أفغانستان اعترف بالدور الذي يمكن لايران أن تقوم به لتدارك الفشل الذريع للولايات المتحدة في أفغانستان: "نحن تعلمنا وببطء ان مشكلات أفغانستان لا يمكن حلها من قبل بلد واحد انها قضية اقليمية تعني دول المنطقة بما فيها ايران".
ان هذه اللغة للادارة الأميركية الجديدة ليست الا "تعبيراً عن ضرورة يفرضها الواقع…" كما قال بايدن أمام المؤتمر. فإمداد القوات الأميركية وحلفائها باتت مرتهنة بتعاون روسيا وخاصة بعد أن صادق مؤخراً برلمان جمهورية قرغيزيا على قرار اقفال القاعدة الجوية "ماناس" (ـ هو اسم البطل القومي الذي وحد قبائل قرغيزيا قبل ألف سنة). وبذلك ستتحلى هذه القاعدة الأساسية لامداد القوات الأميركية والأطلسية في موعد أقصاه شهر/آب 2009، ويتعرض الامداد عبر باكستان لكثير من المخاطر على يد قوات "الطالبان الباكستانية" رغم كل الرشاوي التي تقدم للعديد من قادتها لتأمين طرق الامداد، الا ان نهبها بات سياسة ثابتة، لتحل البضائع الأميركية في أسواق البازار في بيشاور بشكل معلن.
ولذلك باتت الطريق للامداد عبر روسيا هي الوحيدة الممكنة والآمنة، الأمر الذي جرى التفاوض عليه وأقر بين روسيا وممثلين عن حلف الناتو في ربيع عام 2008، ويجري هذه الأيام الاعداد لامداد القوات الأميركية والثابتة للحلف الأطلسي عبر روسيا انطلاقاً من بلدان البلطيق. هذا وقد عرضت روسيا مؤخراً استعدادها لنقل هذا العتاد غير العسكري ايضاً عبر وسائل وسائط النقل الجوي، الأمر الذي تقوم به لامداد القوات الألمانية العاملة في افغانستان انطلاقاً من مطار لا يبزيغ حيث تربض بشكل دائم طائرات نقل عملاقة تابعة لشركة (Salis) الروسية ـ الأوكرانية.
والى جانب الدور الروسي المحوري في تأمين الامداد "غير العسكري" كشف مؤخراً النقاب عن لجوء البنتاغون الى طلب مساعدة العسكريين الروس للاستفادة من تجاربها في مكافحة المقاومة الأفغانية، الأمر الذي يعمق الشعور بالاعتزاز الذاتي والتشفي لدى القادة الروس، حيث لا يترك الرئيسان ميدفيديف وبوتين مناسبة الا ويعبران فيها عن هذا الشعور ويؤكدان استحالة تخطي الدور الروسي المميز في أفغانستان.
المبادرة الروسية
روبرت غيتس، وزير الحربية الأميركي، خرج من اجتماع "المجلس الوزاري" لحلف شمال الأطلسي في مدينة كراكوفا/بولونيا منتصف شباط الجاري مرتاحاً لاقرار 19 من أصل 26 دولة بزيادة اسهامها العسكري والمدني في أفغانستان كما رغبت الادارة الجديدة واعتبر ذلك "بداية جيدة". كما أكد على ضرورة اشراك الجيش الأفغاني في العمليات العسكرية خاصة في المناطق الآهلة بالسكان على أمل أن تسهم هذه الخطوة في التخفيف من الضحايا المدنيين، وقد بلغت العام المنصرم 2118 مواطناً افغانياً.
ومن جهة أخرى أكد ريتشارد هولبروك الأهمية الكبرى لتدعيم وتثبيت الوضع في باكستان وضع الطالبان من استلام السلطة مع أو بدون التحالف مع نواز الشريف وما يمثله.
فهل ستفلح هذه الجهود والتوجهات في السيطرة فعلاً على الوضع وإحلال الأمن عشية أو غداة انتخاب الرئيس الجديد لأفغانستان في آب/2009، أم أن التوجه الجديد للادارة الأميركية يهدف الى "أفغنة الحرب" بمساعدة باكستان تمهيداً للانسحاب التدريجي من مقبرة الامبراطوريات وبأقل الخسائر؟؟.
الواضح حتى الآن هو أن السياسة الأميركية لن تؤدي رغم كل الدعم من هنا أو هناك سوى الى المزيد من الأخطار المدمرة، والتي سبق للتدخل السوفياتي أن وقع فيها، واليوم في ظل ظروف الانهيار المالي والركود الاقتصادي المتنامي في الولايات المتحدة. فإن كلفة الحرب 70 مليار دولار سنوياً ليست بالرقم السهل بل هو عبء اضافي كبير.
كما ان الاستمرار في هذه الحرب لن يعيد الحياة الى المشروع الذي هدفت الادارة الأميركية السابقة لتحقيقه من خلال احتلال أفغانستان وعقد اتفاقات ثنائية مع أذربيجان وجورجيا وقرغيزيا لشق طريق الى مصادر الطاقة في حوض بحر قزوين بعيداً عن هيمنة روسيا. فروسيا نجحت بشكل واضح في سد الطرق أمام التمدد الأميركي في منطقة آسيا الوسطى، وتشكل عملية اغلاق قاعدة "ماناس" للامداد في قرغيزيا أحد آخر فصولها. وبذلك أغلقت الأبواب أمام محاولات الولايات المتحدة اختراق صفوف "منظمة شنغهاي للتعاون". تتشكل من روسيا، الصين، كازاخستان، أوزبكستان، طاجيكستان وقرغيزيا)، اختراق يراد منه احباط أية مبادرة روسية، أفغانية يعدلها راهناً وتهدف الى كسر التفرد الأميركي في المنطقة وتعزيز دور روسيا في كابول.
لا يخفي القادة الروس مصلحتهم العليا في الحؤول دون عودة الطالبان الى السلطة في كابول أو تمددهم نحو الشمال باتجاه حدود الدول الحليفة لروسيا في آسيا الوسطى بما يهدد استقرار هذه الدول وخطر تسعير الحروب في جمهوريات القفقاس، في حين يشيع الرئيس كارزاي عن تقديم روسيا عرضاً لعقد "اتفاقية تعاون عسكري"، ويستعمل ذلك في مواجهة الضغوط التي تمارس عليه من الادارة الأميركية الجديدة التي تحمله منفرداً مسؤوليات تفشي الفساد وتجارة المخدرات ـ ان المبادرة الروسية المنتظرة لإحلال السلام في افغانستان تلقى ليس فقط دعم دول "منظمة شنغهاي" بل كذلك كل من الهند وايران.
()كاتب لبناني، برلين




















