في اعتراف نادر بالمسؤولية عن الازمة المالية الحادة التي تعصف بالاقتصاد الروسي، أقر وزير المال الكسندر كودرين بان بلاده اسرفت في انفاق العائدات الكبيرة للنفط في السنوات الاخيرة، فزادت التضخم تفاقماً، كما لم تبذل جهودا كافية لتقليص اعتماد الاقتصاد على النفط، وتنويع مصادر عائداته.
وقال كودرين ، وهو أيضاً نائب لرئيس الوزراء، ان الازمة المالية أعادت الاقتصاد الروسي خمس سنوات الى الوراء، وإن يكن اضاف ان الولايات المتحدة تضررت أكثر.
منذ بدأت تداعيات الاضطرابات المالية الاسوأ التي يشهدها العالم منذ الثلاثينات من القرن الماضي تلامس الاقتصاد الروسي، دأب المسؤولون الروس على تحميل الغرب، وخصوصاً واشنطن، مسؤولية الازمة.
ولا يندرج الكلام الاخير لكودرين ، وقبله للرئيس الروسي دميتـــري ميدفيديف الذي انتقد حكومة معلمه رئيس الوزراء فـــــلاديمير بوتين في التعامل مع الازمة، في اطار "الغزل" المستجد بــين الكرملــــــيـــن وادارة الرئيس الاميركي باراك اوباما، بقدر ما هي مؤشـــرات لكون الازمة المالية بدأت تزعزع ميزان القوى الحساس في الكرملين، وسط صراع على النفوذ المالي بين جماعات متنازعة يضعف سلطة بوتين ويسيء الى علاقته مع تلميذه السابق ميدفيديف.
قبل يومين أحيا ميدفيديف الذكرى السنوية الاولى لوصوله الى الكرملين، طبعاً بتأييد ودعم واضحين من بوتين، الا ان ثقة "القيصر" الجديد بنفسه بدأت تتجاوز على ما يبدو الحدود التي رسمها له سلفه.
لا شك في أن الازمة المالية العالمية ألحقت خسائر موجعة بالاقتصاد الروسي، مع هبوط البورصات الروسية نحو 70 في المئة عام 2008، وانفاق السلطات نحو ثلث مخزونها من احتياط الذهب والعملات الاجنبية ، أي ما يعادل 216 مليار دولار، للدفاع عن عملتها الروبل التي فقدت كثيراً من قيمتها.
كذلك، خصص الكرملين مبالغ ضخمة لانقاذ اعمال كبيرة في روسيا تدين بمبالغ ضخمة لمصارف أجنبية.
وفي كانون الثاني وحده، أخرج المستثمرون 40 مليار دولار من روسيا، بعدما خسر أغنى عشرة أشخاص في البلاد ما يقارب 150 مليار دولار العام الماضي.
هذا التبخر المفاجئ للثروات الجديدة في روسيا وضع المجموعتين المتنافستين في الكرملين في مواجهة ، وفلاديمير بوتين في موقف حرج. فهو، بصفة كونه عضوا سابقاً في جهاز الاستخبارات السوفياتي "ك ج ب"، يقيم علاقات وثيقة مع الجماعة الامنية المعروفة بـ"السلوفيكي"، لكنه أيضاً يتمتع شخصياً بولاء مجموعة صغيرة من الليبراليين المتحدرين من مسقطه بطرسبرج.
قلب المواجهة
ويقول خبراء ان بوتين يخسر موقعه وهو يحاول استيعاب النزاع بين الفصيلين المتناحرين، كما بدأت تظهر صدوع في علاقته مع ميدفيديف، فبعدما اضطلع طويلا بدور الحكم بين المجموعتين المتنافستين، السلوفيكي والاقتصاديين العقلانيين، يقول المحلل السياسي البارز دميتري اورشكين: "بات اليوم في قلب المواجهة، وهو يتعرض لانتقادات من الجهتين.السلوفيكي يقولون انه ضعيف وعاجز عن فرض ارادته و افهام الاقتصاديين حجمهم، فيما يتكتل هؤلاء الاخيرون حول ميدفيديف".
كذلك بدأ ميدفيديف يوجه انتقادات الى معلمه السابق، داحضاً التكهنات التي رافقت توليه منصبه بأنه سيكون ظلاً له، في ما يشير الى أن السلطة بدأت تطيب لساكن الكرملين، وانه يستعد لشحذ "عضلاته" السياسية. ويذهب البعض الى القول انه وافق ضمناً على ان تشن ادارته حرباً اعلامية على جهاز بوتين.
وفي سلسلة الانتقادات الاخيرة لبوتين، قال ايغور يورغينز، مدير معهد التطور المعاصر، وهو مؤسسة رأي أنشأها ميدفيديف ان رئيس الوزراء يقيد الحريات الصحافية، وشدد على أن"الاراء الاكثر استقلالاً وصراحة في ما يتعلق بمشاكل روسيا تأتي من الجناح الليبرالي، أكثر منها ممن يسمون الوطنيين".
كودرين
ويبدو كودرين، المقرب من ميدفيديف، في قلب الصراع على السلطة في الكرملين، فهو حذر السلوفيكي والهيئات الخاصة التي يتمتعون فيها بمصالح قوية، من أن الدولة تقيد رزمات الانقاذ المالي للاعمال الكبيرة.
ويقول المستشار الاقتصادي السابق للحكومة ميخائيل دلياغين ان السلوفيكي "يريدون التخلص من كودرين لانه يمسك بخيوط المحفظة، ولا يمدهم بأية أموال".
ولم تكن بريئة اعادة فتح تحقيق في الفساد يتعلق بـ 18 مليون دولار ويطاول نائب وزير المال قبل ثلاثة أسابيع، في هجوم مبطن من السلوفيكي على كودرين نفسه.
وبالنسبة الى بوتين، المشكلة ان كودرين هو أحد نوابه وحليف سابق من ايام بطرسبرج.
وقد أثار الصراع على السلطة بين فصيلي الكرملين شائعات أن بوتين، الخائف من أن يتحول محوراً للاستياء الشعبي المتزايد في روسيا نتيجة الازمة المالية، فكر اخيراً في التنحي عن منصبه. وفي هذه الحال، يصير رئيساً لمجلس دوما الدولة باعتباره عضواً في حزب روسيا موحدة.
وثمة سيناريو آخر مفاده ان بوتين سيضطر الى اقالة كودرين في محاولة لاستيعاب الزمرة الامنية – العسكرية في الكرملين.
التلميذ والاستاذ
ترعرع ميدفيديف وسط انتليجنسيا بطرسبرج، ولم تربطه اية صلات بالاجهزة الامنية ، لا بل يعتبر خصماً لابرز شخصيات السلوفيكي، مثل نائب رئيس الوزراء ايغور سيخين الذي يستمد نفوذه من بوتين.
وخلال عمله محامياً ولاحقاً رجل أعمال، كون نظرة مختلفة عن روسيا ودورها في العالم، وبينما كان بوتين يهوى التقاط صور له ببزات بحرية ورشق خصومه الحقيقيين كما المفترضين بالاتهامات اللاذعة، كان هو ببزاته الانيقة، يميل الى التدقيق في الاحصاءات الاقتصادية على "الاي بود". وهو كان دوماً اكثر ميلاً الى تجنب انهيار اقتصادي آخر لروسيا.
منذ البدء، لم يقتنع كثيرون بأن بوتين سيتخلى عن إرثه الكبير ، بعدما حول روسيا من دولة شبه مفلسة الى لاعب أساس على الساحة الدولية في القرن الحادي والعشرين.ولكن ما يحصل أخيرا قد يكون مؤشرا لكون التلميذ بدأ يخرج عن طاعة أستاذه ويكتسب مزيدا من السلطة.
ويقول دلياغين:"حتى الان، يمكن أن يدخل ميدفيديف قاعة فيها كثيرون من حكام الولايات من غير أن يلفت انتباه أحد"، مشيرا الى ان هذا الامر يذكر بجملة ونستون تشرشل ان سيارة تاكسي فارغة توقفت في 10 داونينغ ستريت، وخرج منها كليمنت أتلي… ويجب الا ننسى ان اتلي هزم تشرشل لاحقا.
"النهار"




















