نصير الأسعد
في كلمته أمام مجلس وزراء الخارجية العرب في القاهرة أول من أمس، حدد وزير الخارجية السعودي الأمير سعود الفيصل ما يمكن إعتبارها الأسس ـ الشروط التي لا بد أن تنهض عليها "المصالحة العربية" إذا كان للقمة العربية المقبلة في الدوحة في 30 آذار الجاري أن تحققها وتؤكدها.
الأسس ـ الشروط كما حدّدها الفيصل
أكد الوزير الفيصل ان "جهود المصالحة لن يكرسها ويدعمها إلا توفر رؤية موحدة ومشتركة إزاء القضايا ذات المساس المباشر بالأمن العربي". وعدّد تلك "القضايا ذات المساس المباشر بالأمن العربي"، فلفت الى "النزاع العربي ـ الإسرائيلي" أولاً والى "التحدي الإيراني" ثانياً متحدثاً عن هذا "التحدي" في مجالات الملف النووي وأمن منطقة الخليج والتدخل في الشؤون العربية سواء في العراق أو في فلسطين أو في لبنان.
وفي ما يشبه الرد المطلوب على ما يمس بالأمن العربي، شدّد الفيصل على "قيام حكومة وحدة تتحدث باسم كل الفلسطينيين ويمكنها أن تفرض على الأطراف الدولية التعامل معها كمؤسسة متجانسة لا تسمح بإمكانية أي انتقائية في التعامل مع أعضائها".
وسجّل أن "التخلي عن المبادرة العربية (للسلام) في ظل ميزان القوى السائد وطبيعة الواقع العربي المتأزم لن يساعد على تحسين هذا الواقع أو إنهاء تأزمه بل سيمثل إلغاء المبادرة نوعاً من إلحاق الأذى بالنفس في غياب البديل الأفضل".
بإختصار، إعتبر سعود الفيصل ان المصالحة العربية، أي وحدة النظام العربي، تتحقق بجبه "التحدي الإيراني" وإخراج إيران من القضايا العربية، وان الترجمة "الفورية" لذلك إستعادة الوضع الفلسطيني الى الحاضنة العربية من جهة والى الوحدة الداخلية من جهة ثانية، وأن المبادرة العربية للسلام لا تزال الإستراتيجية العربية الفعلية في المرحلة الراهنة ـ المقبلة.
الرياض واستعادة سوريا "من" إيران
وعلى هذه الاسس ـ الشروط جميعاً، إستنتج الفيصل أن تحسناً ملموساً طرأ على العلاقات العربية ـ العربية "بما في ذلك الاتصالات الايجابية القائمة بين الرياض ودمشق والتي من شأنها دعم مسيرة المصالحة العربية عموماً". أي أن المسؤول السعودي يوضح الأسس ـ الشروط التي تنطلق منها جهود المملكة لتحقيق المصالحة العربية، ويكشف أن "الإنفتاح" السعودي على سوريا يتم في هذا الإطار المشروط. الأمر الذي يعني أن الرياض تعمل على إستعادة سوريا "من" إيران، وعلى مطالبة سوريا بدور ايجابي في فلسطين إتماماً للمصالحة الفلسطينية وبدور ايجابي في لبنان وقفاً للتدخلات والمداخلات، ويعني أن المبادرة العربية للسلام تمثل "السقف" الذي لا نسف له. أي أن الفيصل يشرح بشكل وافٍ طبيعة الاتصالات السعودية مع دمشق والأهداف المنشودة منها.
مصر ودورها الفلسطيني
وإذا كان الفيصل يقدم في كلمته حقيقة ما يجري على خط الرياض ـ دمشق، فمن شأن ما قاله أول من أمس أن يضيء على ما تقوم به مصر بالتوازي في "الملف الفلسطيني". وهنا لا يخفى البتّة أن الجهود المصرية تنصب على "إخراج" إيران من "البيت الفلسطيني" وعلى تحقيق وحدة هذا "البيت" توحيداً للشرعية الفلسطينية.
وبهذا المعنى "الدقيق"، فإن الدورَين السعودي تجاه سوريا والمصري تجاه القضية الفلسطينية، يتكاملان في إطار موقع الدولتين العربيتين الكبيرتين على رأس "النظام العربي الرسمي".
ولدى الإنتقال الى البحث في نتائج الدورَين المصري والسعودي، يتبين ان الجهود المصرية فلسطينياً أسفرت عن حوار فلسطيني ـ فلسطيني في القاهرة إنتهت جولة منه قبل أيام بالإعلان عما يمكن تسميته "إتفاق ـ إطار" يضع حداً للإنقسام الفلسطيني، وبالإتفاق على جولة جديدة بين 10 و20 آذار الجاري بأفق تشكيل حكومة وفاق وإتفاق فلسطيني. كما أثمرت الجهود المصرية مؤتمراً دولياً ضخماً إنعقد في شرم الشيخ مطلع الأسبوع الحالي شكّل مناسبةً لالتفاف إقليمي ـ دولي حول المؤسسات الشرعية الفلسطينية ومناسبةً لتضامن "سخيّ" مع إعمار قطاع غزة. وإذا كانت أيام قليلة لا تزال تفصل عن تبلور "المآل الأخير" للوضع الفلسطيني، فالثابت أن الجهود المصرية أزعجت إيران. وهذا ما تجلّى في الحملة الإيرانية على مصر، وفي مسارعة طهران الى تنظيم مؤتمر حول فلسطين.
إنزعاج إيراني
أما بالنسبة الى "المسار" السعودي ـ السوري، وفي انتظار أن تتّضح أكثر "النتائج الإيجابية" التي أشار إليها الوزير الفيصل، فقد كان لافتاً الإنزعاج الإيراني من هذا "المسار" ايضاً، حيث سارعت القيادة الإيرانية الى نصح النظام السوري بـ"الانتباه" مما سمّته "حيَل الأعداء"(!).
30 آذار موعد أقصى
وحقيقة الأمر أن هذا الاستعراض للتطورات العربية يهدف الى بلورة خلاصتَين رئيسيتين.
الأولى هي أن موعد 30 آذار الجاري، موعد القمة العربية في الدوحة، يبدو الحدّ الزمني الأقصى لتبلور صورة الوضع العربي للمرحلة المقبلة، أي أن الأيام الفاصلة عن انعقاد القمة ستكون حاسمةً لجهة تبيّن وجهة التطوّرات، لأن ما لا بد أن "يظهر" على صعيد وجهة التطورات يُفترض أن يظهر قبل 30 آذار.
تضييق أفق التعطيل في لبنان
أما الخلاصة الثانية وتتعلق بلبنان، هي أن الفترة الفاصلة عن 30 آذار ستشهد تبلور "المناخ الإقليمي" حول لبنان أي المناخ الإقليمي للانتخابات النيابية المقبلة.
بكلام آخر، إن نجاح "المسار" السعودي ـ السوري بأسسه وشروطه ونجاح "الإدارة" المصرية لـ"الملف الفلسطيني"، ليس فقط سيعنيان نجاحاً لقمة الدوحة، بل سيعنيان أن الأفق الإقليمي لـ"مشروع تعطيل الانتخابات" لم يعد مفتوحاً. ذلك أنه لا يخفى أن العمل العربي جارٍ لسحب سوريا من التعطيل في لبنان. كما لا يخفى أن قدرة إيران على التعطيل من دون "مؤازرة" سورية أضعف بكثير.. وفي الأساس ما كان "7 أيار" إلاّ حصيلة "تآزر" سوري ـ إيراني. أي أنه في الأيام المقبلة، حتى 30 آذار، سيكون "مصير" الانتخابات اللبنانية في الإطار الإقليمي، أكثر وضوحاً مما هو عليه اليوم.




















