الحياة – 07/03/09//
مرّت احتفالية افتتاح المحكمة الدولية، بهدوء، وانتقل المشاهدون والمحللون، وأصحاب التوقعات… إلى الانتظارية… ذلك أن المقدمات التمهيدية، لقيام المحكمة، طالت لسنوات، مما يعني أن «قيامة سيف عدالتها»، ستستغرق سنوات أخرى، بالتأكيد. لا يمكن لأحد الجزم منذ الآن، بأن الوضوح الكامل، سيتوج مسيرة العدالة الدولية، كما لا يستطيع أحد الإدعاء، بأن المحكمة متروكة لضمائر قضاتها، ومشدودة، فقط، إلى وقائع الإتهام، الدالة والدامغة. من الأفضل، بل من الأصوب، الانتباه، دائماً، إلى أن العوامل التي وفّرت أسباب نشوء «المحفل القضائي»، الدولي، هي ذاتها العوامل التي يمكن أن تمنع، لأسبابها، المتقاضين، من الوصول إلى الخواتيم اللازمة.
هذا التنبيه، الواجب، يعيد التذكير، الضروري، بأن التدخل الدولي، على خط جريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري، لعب الدور الأبرز، في دفع مطلب المحاكمة، مثلما وفّر الأرضية الداخلية اللبنانية، المتمسكة بهذا المطلب، والمتحلقة حوله، والمنادية بالسير به، في الأروقة الخارجية، وفي ممرات السياسة اللبنانية الداخلية. كان المدماك الدولي، الأهم، في بناء مقومات المحكمة، داخلياً، رفع الغطاء عن الوجود السوري في لبنان، ودفع قواته العسكرية إلى الخروج منه، ثم تأمين مظلة «وقاية سياسية»، تجعل أمر عودة النفوذ السوري، بتشكيلاته النظامية، المرئية، أمراً عسيراً ومستبعداً، بل إن بعض «المغالين»، رفع هذه العودة، بكل ألوانها، إلى مرتبة الاستحالة!! إذن، لا بد من القول، مجدداً، أن في تجسد المحكمة، كمعطى قضائي ملموس، معنى دولي أول، له قوة الحضور، وثقل المصالح، ووجهة إعادة صياغة التوازنات، داخل لبنان، وفي محيطه الإقليمي.
على هذا المعنى الدولي، تأسست معان داخلية، من موقعي الرفض، والقبول، بين ساعٍ لتوظيف «الجديد» الدولي، وبين عامل على منع إنفاذ سياساته المحلية. لقد سارع، «فريق المأساة الحريرية»، إلى توظيف الحدث، واستثماره، في تحقيق غلبة، أرادوها كاملة، وناجزة، وواضحة، انطلاقاً من فوزهم بأكثرية عددية نيابية، ومن تمتعهم بأرجحية، «معنوية وأخلاقية»، كونهم المعتدى عليهم، «وأهل الفقيد»، ومن امتلاكهم لحرية الحركة، باتجاه مرجعيات عربية، لا تقول قول المرجعية السورية، ولا تقر جميع ممارساتها اللبنانية، وترفض خصوصاً، شكل توظيفها للموقع اللبناني، إقليمياً، والمساومة عليه، في صالحها، دولياً.
صار من المعلوم، أنه لم يكتسب لهذه السياسة، التوظيفية اللبنانية، كامل النجاح، بل إن من خاصمها وناوءها، كسب منها جولات عديدة «بالنقاط»، ربما لأنه من المتعذر، لأسباب التشكيلة اللبنانية، الفوز «بالضربة القاضية». لقد سلكت سياسة الخصومة «لفريق المحكمة»، دروب معاني خاصة بها، هي الأخرى. كان من هذه المعاني، تبني شهادة الرئيس رفيق الحريري، وتفسير مسلكه وسيرته وفقاً لقاموس سياسي آخر، وإنكار ما «يقحم» من اجتهادات، في غير محلها، على هذه السيرة. استطراداً كان تبني المحكمة، واضحاً لدى هؤلاء، إنما كان التبني مرتبطاً دائماً بـ «لكن»، ومرفقاً بسلسلة من الوقائع المادية، والتحركات السياسية، التي تجعل المتابع يسأل: هل كان تبني مطلب العدالة، حقيقياً؟ أم أنه كان لفظياً؟… ودائماً بشهادة السعي إلى تبديل موازين القوى الداخلية، والسعي للحد من اندفاعة الثقل الدولي، في المحافل الخارجية!!.
استعراض المعاني، السالفة، يدفع تكراراً، إلى وضع علامات حذر، حول إمكانية الوصول إلى «عدالة المحكمة»، بعد أن طويت صفحة الإعلان عن قيامها، وجرى تبادل الخطب، التي أكدت، جميعها، على شفافيتها، ونزاهتها، و»لا سياسيتها»، وانصرافها إلى إحقاق الحق، على سبيل الحصر، وعلى وجه التحديد. مضمون الحذر، المنوه عنه، سياسي أولاً وأخيراً، ولأن الحديث حديث مصالح، دولية وإقليمية وعربية، فإن ما يتبع ذلك، كلام تسويات مشتركة، وتنازلات متبادلة، وتفاهمات متعددة الأطراف… هذا يعني، وفق عبارات أخرى، أن «العدالة نسبية» ومثلها الحقائق، في ميادين «المبادلات الدولية». من الخطأ الظن، أن الأسواق، هي ميدان التبادل الوحيد، فثمة «أسواق» سياسية وأخلاقية، موازية، مهمتها، تأمين الاستقرار الدائم، «للتجارة الحرة»، وتحقيق ديمومة ربحيتها، ومنع اتجاه أرباحها من الميل نزولاً!!. هل ثمة انغلاق على هذه الأصناف من التسويات؟ الجواب بالنفي، وليس في الحوزة ما يدل، على أن «الأخلاق» كانت قائدة للسياسة، في أي من المراحل التاريخية. لا استبعاد للتسوية، حول المحكمة، دولياً. فالضغط الدولي حصل، لأن له هدفاً سياسياً محدداً، ولأن السياسة متحركة، فإنه بالإمكان اليوم، ملاحظة تراخي «اللهجة الدولية»، حيال من اعتبر الجاني، في قضية اغتيال الرئيس الحريري.
كذلك لا استبعاد للتسوية مع الدولي، إقليمياً وعربياً… أما الصراع الذي دار حتى الآن، والسجال الذي سيستمر لاحقاً، فهو حول مقدار الأثمان التي ستدفع، للالتفاف على «حدة التطلب» الدولي، أو لتليين شروط الانصياع لسياساته العامة. هكذا تصير المعادلة واضحة القطبين: الدولي، «المتَّهِم»، يضغط لفرض أعلى شروطه، والعربي – الإقليمي، «المتَّهَم» يجهد ليهرب من دفع أعلى الأثمان!!
إذا كان الأمر كذلك، فإن على اللبنانيين الإنصراف إلى استنتاج الخلاصات المناسبة. لقد أظهر «أهل البلد»، عجزاً عن الإجماع حول قيام المحكمة، ودائماً على حقيقة معنى الكلمة، وهم أقاموا في رحاب محاولات التغلب والغلبة، وتقلبوا في مسالكهما. عليه، وبعد كل التجربة الفاشلة السابقة، هل يستطيع اللبنانيون، التوصل إلى صيغة تسوية، تتمتع بالمقومات الدنيا من الاستقرار؟ هذا كي يكون متاحاً لهم استقبال منوعات التسويات، الدولية والإقليمية، حول العدالة، فلا تكون المصالح اللبنانية العامة، مرّة أخرى، وقوداً مجانياً، لهذه التسويات.
* كاتب لبناني.




















