الأزمة الحالية ذات سمات وخصا ص فريدة لم تظهر من قبل. إنها أول أزمة اقتصادية شديدة ذات طابع عالمي حقيقي وتمثل لحد كبير رد الاقتصاد الدولي على عمليات العولمة التي شملت في العقد الأخير جميع مجالات النشاط الحيوي للمجتمع الدولي.
ولا تتوفر لدى أي جهة في العالم الخبرة لمعالجة مثل هذا النوع من الأزمات، كما لا تتوفر الضمانات بأن تعطي مردودها فورا الأساليب التقليدية التي تمارسها الولايات المتحدة والبلدان الغربية في معالجة أزماتها الاقتصادية الدورية.
ولكن حتى لو أنها مارست تأثيرها فما هو المردود؟ وكيف ستؤثر في الاقتصاديات غير القا مة على السوق او الاقتصاديات الانتقالية التي لم يتم تحديثها كما هي الحال مثلاً في روسيا وجميع الدول الاوراسية؟
واليوم يقال ان النفوذ المالي والسياسي ينتقل أكثر فأكثر من الغرب الى الشرق. كما تنتقل رؤوس الأموال ووتا ر التطور الاقتصادي والتكنولوجيات الجديدة والمؤسسات المالية تدريجيا إلى هناك أيضا.
واصبح عام 2008 تجسيدا بارزا لهذا الأمر. ويعتقد الكثيرون بأنه سينتقل النفوذ السياسي أيضا من الغرب إلى الشرق في أعقاب الأموال. وبدأت تتكون في الشرق بنشاط مراكز قوة دولية صارت تنافس الغرب، وتتفوق عليه تدريجيا من حيث الإمكانيات والقدرات. ويعتقد بعض الخبراء أن الولايات المتحدة ودول أوروبا الغربية ستفقد جزءا كبيرا من قدرتها، وستعوزها القوة لتنفيذ مشاريع شاملة جديدة وتكوين نماذج جذابة. ومنذ الآن فصاعداً ستأتي هذه النماذج والمبادرات الشاملة من جهة الشرق.
ما هي الهي ة السياسية التي ستأتي بها هذه النماذج الاقتصادية والجيوبوليتيكية «غير الغربية»، وما هي التوجهات السياسية والايديولوجية التي سترافقها؟
وماذا سيحل محل ما يسمى اليوم مباد الديمقراطية الغربية والشعارات حول حقوق الإنسان وحرية الصحافة وسيادة القانون والمساواة بين جميع المواطنين، والتي رافقت المشاريع الجيوبوليتيكية الغربية بنشاط في العقود الأخيرة، والتي يسعى الكثيرون في العالم إلى التخلص منها اليوم بكل قواهم، ويضمن ذلك في اوراسيا.
وبم يستطيع الشرق الجذاب والعصري الانتصار على أميركا والغرب بأسره المتخلفين في عيون وعقول كثير من الناس؟؟ وكيف سيقاوم الإرهاب الدولي العالم الموجه من الشرق، والذي يتجلي بشيء من الغلو ممثلا في تجسيد القيم السياسية وتقاليد هذا الشرق نفسه؟
وقد احتاج الغرب الكاثوليكي والديمقراطي في حينه إلى م ة عام من اجل كبح الراديكاليين وشتى أصناف المتطرفين لديه، لكن لم يتسن له الانتصار عليهم كليا حتى الآن.
وقد أعلن أسامة بن لادن جهارا بعد الهجوم على الولايات المتحدة أن هدفه تغيير أسس النظام العالمي الذي أقامته أميركا الغادرة. وقد افلح في ذلك ويغدو النظام العالمي بشكل مغاير في أعيننا. لكن بأي شكل؟ هل هو أفضل ويمكن التنبؤ به أكثر ؟ هل أصبح أكثر عدالة وفعالية؟
النظام العالمي يتغير بشكل جذري، فقد شهدنا في الأعوام القليلة الماضية الانهيار النها ي لمنظومة يالطا ؟ بوتسدام للعلاقات الدولية التي نشأت بعد الحرب العالمية الثانية، وبدأ الانهيار بتوحيد المانيا وتفكك الاتحاد السوفييتي، واختتم بإعلان استقلال كوسوفو واعتراف روسيا باستقلال ابخازيا واوسيتيا الجنوبية.
وكانت الولايات المتحدة والغرب يتحدثان منذ وقت بعيد حول وجوب إعادة النظر في المنظومة الدولية والقانون الدولي الخاص بها باعتبارهما قد أكل الدهر وشرب عليهما.
ويتطلب الأمر توفر تفهم جديد للأوضاع القا مة، موسكو أرادت أن تتمسك حتى النهاية بمطلب صيانة النظام العالمي الناش بعد الحرب. لكن محاولة جورجيا لكي تستعيد وحدة أراضيها باستخدام القوة العسكرية قد وضع موسكو أمام خيار صعب دفعها للتخلي عن الالتزام بقواعد النظام القديم.
فأقدمت في القوقاز على خطوات أكثر راديكالية بكثير مما قامت به الولايات المتحدة في كوسوفو، وذلك حين اعترفت بابخازيا واوسيتيا الجنوبية من جانب واحد. واليوم لم يبق في العالم حماة متنفذون للنظام العالمي القديم.
ونحن نستقبل عام 2009 في ظروف غياب قواعد السلوك في الشؤون الدولية، وسيعطي المستقبل فقط الجواب عن السؤال فيما إذا كان ذلك خيرا أو شرا.
كاتب أوكراني
vladi1949@mail




















