ما كان من الممنوعات أو النوادر، تجاه إسرائيل؛ صار من المتداول. ما كان في حدود الهمس، خرج إلى المجاهرة. نقدها تطوّر إلى إدانة لممارساتها؛ ثم إلى مطاردة قضائية، فضلاً عن طرد لسفيرها، في أكثر من عاصمة. تحوّل نوعي مناسب في التعامل مع الدولة العبرية، في أعقاب مجزرتها في غزة.
ردّ من عيار لم تألفه تل أبيب، بصرف النظر عن ظروفه وحساباته والاعتبارات التي حكمته. طبعاً هو مازال في بداياته. أهميته أنه انطلق وكسر حاجز التهيّب والخوف من المضاعفات. وبذلك هو مرشح للتوسع، إذا ما تمّ توظيفه وتثميره؛ على قاعدة وحدة صف عربي وفلسطيني، متماسك. خاصة وأن إسرائيل دخلت في طور جديد من العدوانية والتصعيد.
اعتادت إسرائيل، باستمرار، أن تستقوي بسلاحين؛ لتمرير اعتداءاتها وتوسعّها وانتهاكاتها: الحماية الأميركية وتهمة«معاداة السامية». أحدهما جاهز دوماً، ضدّ من يتجرّأ على الإشارة إليها بإصبع النقد أو حتى بالتساؤل؛ ناهيك بالإدانة. بذلك ضمنت، إلى حدّ بعيد، سكوت أو تجاهل المجتمع الدولي؛ على تجاوزاتها واحتلالها للأراضي العربية.
تحت هذه المظلة الواقية، أقامت أمراً واقعاً على الأرض. تلطّت خلفه لنسف كافة محاولات ومبادرات«عملية السلام». لكن في عدوانها الأخير على غزة، انكسرت هذه القاعدة. لم ينقطع حبل الصمت فحسب، بل حصلت ردود فعل؛ غير معهودة وغير متوقعة. اثنان من بلدان أميركا اللاتينية، فنزويلا وبوليفيا، بادرا إلى طرد السفير الإسرائيلي. تكرر الطرد، أمس، من جانب موريتانيا. لا يهم كيف ولماذا وإلى أي مدى يذهب مثل هذا الإجراء.
المهم أن لغة جديدة دخلت على المشهد. تعزّز كل ذلك وتكلّل باللوائح القانونية الموثقة، التي رفعت إلى مكتب المدعي العام للمحكمة الدولية، تطالبه بفتح تحقيق حول جرائم الحرب التي ارتكبتها إسرائيل في غزة. وقد بلغت حوالي مئتي لائحة، تجري محاولات لتعطيلها وتجاهلها. تحتاج إلى ملاحقة ضاغطة، لتحويلها إلى قضية حيّة أمام المحكمة.
الأجواء ما زالت مواتية. حركة الاعتراض لم تخسر زخمها، بعد. وحتى في بلدان وأوساط، معروفة باحتضانها لإسرائيل. من النماذج، حركة الاحتجاج الواسعة التي قام بها أكاديميون وناشطون بريطانيون، ضدّ متحف العلوم؛ بسبب استضافته معرضاً بعنوان «يوم إسرائيل العلمي».
الاعتراض كان على أن الجامعات الإسرائيلية المشاركة«متورطة في تطوير التقنية العسكرية التي استخدمت في مجزرة غزة». حتى ولو كانت ردة الفعل تحكم هذه الأجواء والخطوات، إلاّ أنها تؤشر، في جانب منها؛ إلى أن المجتمع الدولي بدأ يطفح كيله من إسرائيل وتعاليها وعدوانيتها. ثمة فرصة هنا، على العرب والفلسطينيين التقاطها وتطويرها.




















