الحياة – 08/03/09//
توالت الكتابات بعد أحداث غزة الأخيرة حول دور مصر كوسيط في حل مشكلة غزة بين الفلسطينيين والإسرائيليين. وهو في حقيقة الأمر قول حق يراد به باطل، لما يحمله من اختزال لدور رئيسي في الصراع العربي – الإسرائيلي وتجاهل لمعطيات تاريخ المنطقة وتركيبتها السكانية والجغرافية. فمصر منذ 1948 وإلى الآن تقدم حياة أبنائها ودعمها المادي والمعنوي، وما ترتب على ذلك من مواقف دولية.. اعتبرها البعض حكمة ورؤية مستقبلية بعيدة النظر، واعتبرها البعض الآخر عداءات مع بعض الدول ترتب عليها قطع علاقات ديبلوماسية. وهو ما يعني أن مصر لم تفعل ذلك من أجل أن تكون مجرد وسيط تحت الطلب وحسب الحاجة.
لا يمكن تحليل ما سبق من دون التوقف أمام ارتباط علاقة مصر بالقضية الفلسطينية من خلال منظومة الأمن القومي المصري.. خصوصاً أن الأمر يتعلق بكيان مجاور لمصر ويقع ضمن نطاق الدائرة الأولى لأمنها القومي. ويبقى السؤال: هل يمكن أن تترك مصر لغيرها ما يشكل خطراً على أمنها القومي ويفرض أمراً واقعاً عليها؟
لا شك أن هناك نظرة تاريخية متوارثة داخل النظام المصري للحفاظ على الأمن القومي المصري عبر العهود السياسية كافة منذ عصر محمد علي وإلى الآن. فلقد خرج الملك فاروق للمشاركة في حرب سنة 1948، وهو قرار لم يتخذ حينذاك من فراغ، بل يعود بشكل أساسي إلى مواجهة هذا الكيان الجديد والغريب الذي بدأ في ترسيخ وجود له في المنطقة العربية. وكان الهدف حينذاك هو وحدة الصف العربي والتواصل الإقليمي. وهي السياسة التي تبنتها بعد ذلك ثورة تموز (يوليو) 1952 لشعورها بالخطر نفسه من جهة، ولإيمانها بنظرية الحفاظ المطلق على الأمن القومي المصري من جهة أخرى.
لم تقدم مصر دماء شبابها لتكون مجرد وسيط في القضية الفلسطينية، بل لكونها شريكاً رئيسياً في هذه القضية بداية من خلال ما تقوم به من جهود ديبلوماسية وسياسية، ووصولاً إلى ما أنفقته وتحملت تبعاته اقتصادياً في سبيل حل هذه القضية. وبالتالي، لن تسمح مصر بأي حال من الأحوال أن يتم فرض حلول محددة عليها، أو أن توجد إلى جوارها كيانات متشددة ومتطرفة من شأنها أن تهدد الأمن القومي المصري.
إن واقع الأمر يؤكد أن القاهرة تعتبر المساس بأمنها القومي هو نوع من أنواع إعلان حالة الحرب المستترة خلف تصرفات عشوائية وغوغائية مثلما فعلت «حماس» قبل ذلك من إشاعة مناخ من الفوضى في التعامل مع قضية الحدود واقتحام معبر رفح. وهو ما واجهته مصر بتصريحات رسمية لمسؤولين في الخارجية المصرية تارة، أو من خلال الإنذار الذي تلقته حركة حماس من النظام المصري تارة أخرى.
إن تهديد الأمن القومي المصري لا يقبل التهاون ولا يحتمل التنازل. فمصر دولة منوط بها حماية 80 مليون مصري ضمن نطاق أولويات أمنها القومي. وهو ما يترتب عليه تحركات حقيقية وإيجابية من مصر تجاه مجمل التعامل مع القضية الفلسطينية سواء بالنسبة لمسألة التهدئة مع إسرائيل، أو في سبيل مساندة الحفاظ على وحدة الشعب الفلسطيني وتعاون فصائله، أو من خلال دعم إقامة الدولة الفلسطينية ككيان وطني للفلسطينيين كافة.
إن ما سبق أمر حيوي يمس الأمن القومي المصري، ولا يمكن التنازل عنه. باعتبار مصر مجرد وسيط. خصوصا أن جهود مصر التاريخية في هذه القضية تعطيها الحق في أن تكون شريكاً أساسياً… لا يمكن الوصول إلى حل من دونها في ظل تفاعلها وحرصها على أمن الشعب الفلسطيني وأمانه.
* كاتب مصري.




















