الى ما قبل شن إسرائيل لحربها الإجرامية الأخيرة على غزة، كان الوضع الفلسطيني يتأرجح ما بين خيارين مأزومين: خيار التفاوض الذي لا يفضي الى شيء، وخيار المقاومة التي يعوزها الكثير من الشروط حتى تكون فعاليتها على الأرض أكبر من طنينها خلف الميكروفونات، ويبدو واضحاً الآن أن نوعاً من الوجود الدولي بات طرفاً ثالثاً يفرض نفسه على معادلة الوضع الفلسطيني الذي كان قائماً قبل اندلاع هذه الحرب، هذا على الأقل، هو ما أكده البند السادس من قرار مجلس الأمن رقم 1860 والذي يدعو الدول الأعضاء الى تكثيف الجهود الرامية لتوفير الترتيبات والضمانات اللازمة في غزة من أجل الحفاظ على وقف دائم لإطلاق النار وصون الهدوء.
ولهذا يستحق موضوع الحضور الدولي في هذه المعادلة قدراً أكبر من الدراسة والتحليل الذي يمكن أن نعرضه على النحو المكثف التالي:
أولاً: إن الاتجاه الى التدخل الدولي المباشر في الصراعات الإقليمية هو إحدى السمات البارزة في السياسة الدولية المعاصرة، وما جرى من تدخل دولي في يوغوسلافيا، وبعدها في أفغانستان يؤكد هذه المسألة.
ثانياً: إنه ما كان يمكن أصلاً استدعاء مسألة الحضور الدولي في المسألة الفلسطينية، إلا بعد فشل فريق التفاوض وفريق المقاومة في تأمين الحماية الضرورية للشعب الفلسطيني من العدوان الإسرائيلي اليومي على أرواحه وأراضيه ومصادر رزقه.
ثالثاً: إن النقد كان منصباً طوال الوقت على خيار التفاوض وهو محق في أغلبه، فيما لم يجرؤ أحد على مراجعة ما يسمى بخيار المقاومة ولأن الفصائل حولته الى تابو أو بقرة مقدسة يحظر على الجميع نقدها أو مراجعتها حتى من منطلقات صديقة وحريصة على المقاومة نفسها، لكنه بات لزاماً علينا الآن كسر هذا الصمت، وعدم السماح بالتستر على كل ما يُرتكب باسم المقاومة.
لأن المقاومة هي حق مشروع وواجب مقدس، يمكن لها أن تتحول على أيدي الجماعات المغامرة الى أداة للتدمير الذاتي وجلب النكسات والهزائم.
وكما نجحت العديد من حركات التحرر المعاصرة في تحقيق النصر لشعوبها، فإن العديد من الفصائل وحركات التحرر أيضاً كانت قد انتكست واختفت تماماً من سجلات التاريخ لأنها خلطت في حساباتها ما بين المقاومة.. والمغامرة، ولذا يبدو من الضروري في هذه اللحظة التاريخية الفاصلة، أن نصارح أنفسنا بالحقائق التالية:
1 ـ إن المقاومة المسلحة التي كانت أطلقتها حركة فتح 1ـ1ـ1965 قد حققت لشعبها الفلسطيني العديد من المكاسب السياسية التاريخية التي تفوق كثيراً ما حققته هذه المقاومة المسلحة في المجال العسكري، وقد أمكن تحقيق هذه الإنجازات بفضل الاستفادة القصوى من توافر عوامل وعناصر أخرى عديدة جرى إدماجها مع المقاومة المسلحة في استراتيجية أوسع وأكثر وعياً بحقائق ومعطيات الوضعين الإقليمي والدولي.
2 ـ إن المقاومة الفلسطينية المسلحة لم تشكل في أي مرحلة من مراحلها تهديداً وجودياً لإسرائيل، خلافاً لعوامل أخرى مثل الديموغرافيا مثلاً، والتهديدات الأخرى الخارجية.
3 ـ إن تطورات الوضع الفلسطيني الداخلي أدت الى ظهور حالة خطيرة معكوسة تقود فيها البندقية العقل السياسي بدلاً من أن تخضع له، وتتفاقم خطورة هذه الحالة في ظل صعود الجيل الحالي من قادة الأجنحة المسلحة في الفصائل الفلسطينية بالنظر الى تكوينهم السياسي والثقافي والعلمي شديد التواضع.
4 ـ إن تفاقم وتضخم أعداد الشبان الملتحقين بفصائل المقاومة، من دون فعل مقاوم حقيقي ضد الاحتلال الإسرائيلي، يؤدي في الحقيقة الى انحرافات مجتمعية خطيرة بسبب تحويل فائض العنف المسلح المحتجز مع العدو الى داخل المجتمع الفلسطيني نفسه.
5 ـ إن تعصب المقاومة الفلسطينية لخيار العنف المسلح وحده يؤدي بدوره الى اختزال الكفاح المسلح نفسه الى تكتيكات أحادية مثل العمليات الانتحارية أو الصواريخ، وفي الأثناء يجري ترويج الأوهام وتعاطيها حول توازن الرعب وتوازن الردع وما شابه من الشعارات المضللة، ولقد برهنت التجربة المريرة للحرب الإسرائيلية الإجرامية الأخيرة على غزة، عن عدم قدرة المقاومة الفلسطينية على حماية شعبها أو تكبيد العدو المتفوق الثمن الذي كان عليه أن يدفعه لقاء جرائمه البشعة ضد المدنيين العزل.
والنتيجة المنطقية التي يجب استخلاصها من هذه التجربة لا تذهب بالتأكيد الى الدعوة لنقض مشروع المقاومة الحقيقية أو التراجع عنها، لكنها يجب أن تدعو الى مراجعة ونقد كل تجربة المقاومة الفلسطينية، خصوصاً حساباتها الخاطئة ووعودها التي حنثت بها وأداؤها الذي يثير الكثير من الأسئلة مثلما تابعنا جميعاً ما حدث في مجريات هذه الحرب الأخيرة على غزة، ولأن هذا الأمر سيتأخر كثيراً، وقد لا يخرج الى النور أبداً، فإنه من الضروري الدعوة الى توفير الحماية الدولية الحقيقية للشعب الفلسطيني طالماً أنه لا فريق التفاوض ولا جماعة المقاومة قادرون على حماية هذا الشعب المنكوب، ومع ذلك فإنه يجب إمعان النظر طويلاً وعميقاً في موضوع جلب قواعت دولية لحماية الشعب الفلسطيني حتى لا تتحول هذه القوات الى أداة دولية لحماية إسرائيل وتكريس احتلالها للأراضي الفلسطينية.. وان حل هذه التناقض يكمن فقط في ضرورة التمسك بدمج المطلب المحق لتوفير حماية دولية للشعب الفلسطيني في إطار مشروع سياسي شامل لتصفية وإنهاء الاحتلال الإسرائيلي. ومن دون مراوغة فارغة أو ادعاءات مضللة، فإنه لا يوجد أي حل لهذه المعضلة سوى في المبادرة الى مشروع الائتمان أو الوصاية الدولية.
وبموجب هذا المشروع الوطني، فإنه على السلطة الفلسطينية أن تدعو الى حل نفسها بالاتفاق مع جامعة الدول العربية والاتحاد الأوروبي وروسيا الاتحادية، والتوجه الى مجلس الأمن لاستصدار قرار بوضع جميع الأراضي الفلسطينية المحتلة منذ عام 1967 بما في ذلك القدس الشرقية تحت نظام الائتمان والوصاية الدولية، على أن ينص هذا القرار على تشكيل لجنة وصاية دولية بمشاركة عربية للإشراف على تنفيذ كل شروطه وبنوده في مدى زمني محدد بما لا يتجاوز 2 ـ 3 سنوات في أقصى تقدير، وتقوم القوات الدولية حينئذ بحماية الشعب الفلسطيني من أي عدوان إسرائيلي، كما تشرف في الوقت نفسه على الانسحاب التدريجي للقوات الإسرائيلية وتحل محلها في المناطق التي تنسحب منها وفقاً لجدول زمني محدد ومعلن حتى يتم بنهاية المدة المقررة الانسحاب من جميع الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967.
وبالتوازي مع ذلك ينشأ صندوق دولي يعمل وفق خطة اقتصادية لتأهيل الوضع الفلسطيني لاستحقاق الدولة المستقلة، وبدون أي تأخير تنتهي المهلة الزمنية المحددة الى استفتاء الشعب الفلسطيني على تقرير مصيره بنفسه وإجراء انتخابات عامة، تحت إشراف دولي، لاختيار الرئيس الفلسطيني ونائبه ونواب الشعب في البرلمان الجديد.
في ظل هذه المبادرة يمكننا إغلاق الدائرة، وضمان الأمن للشعب الفلسطيني وتحريره من أسر الثلاثية العدمية: التفاوض والمقاومة واستمرار الاحتلال وتصاعد العدوان.
() باحث مصري
المستقبل




















