الحياة – 12/03/09//
كل الحديث عن انتقائية المحكمة الجنائية الدولية في التعاطي مع انتهاكات حقوق الإنسان والجرائم الدولية التي ترتكبها الحكومات ضد شعوبها، خاصة في أوقات الحروب والنزاعات، لا يبرر رفض التعاطي المطلق معها ومع مواقف المنظمات الحقوقية الدولية التي تصدر تقارير تدعو لمحاكمة من يرتكبون فظاعات إنسانية ضد البشر، بمن فيهم الذين يمثلون صفة رسمية أو حكومية من المفترض أن تمنعهم عن تلك الممارسات البشعة. ذلك أن قبولهم بالمنطق الدولي ومعايير حقوق الإنسان، وانضمامهم للأمم المتحدة، يستدعي أن يحول بينهم وبين تلك الفظاعات، التي لا تنسجم إلا مع شريعة الغاب.
من الصعب أخلاقيا غض الطرف عن ذبح ربع مليون إنسان في دارفور، ناهيك عن أعمال الاغتصاب والسلب والنهب والإفساد، تحت دعوى رفض التدخل الخارجي والاختراق الوطني، وحماية «السيادة الوطنية» من القوى الأجنبية و»الاستعمار الجديد»!.
في العقود الماضية، سكت كثيرون عن جرائم صدام حسين والحكومات العراقية المتعاقبة، حين سقط مئات الآلاف من الأكراد ضحايا العنف الذي مورس ضدهم، وبلغ ذروته مع صدام في «حملة الأنفال» (بالمناسبة ألا تستدعي التسمية تعليقاً من علماء الدين؟!) نهاية الثمانينات، حيث أباد الآلاف منهم بالأسلحة الكيماوية.
ومثلما برر البعض للسلطة الفلسطينية منتصف التسعينات العنف ضد «حماس»، بحجة معاداة الأخيرة للمشروع الوطني، ومثلما برر آخرون عنف «حماس» ضد عناصر من «فتح»، بعد الحسم العسكري الذي قامت به «حماس» في غزة، بحجة أن تلك العناصر «عميلة لإسرائيل وفاسدة»، برر غيرهم لصدام فظائعه ضد الأكراد والشيعة تحت دعوى أنهم عملاء لأميركا وإيران، وأن الأكراد على علاقة مع إسرائيل. واليوم يبرر البعض عدم إدانة الرئيس السوداني عمر البشير، تحت لافتة أن في ذلك انتهاكاً للكرامة العربية، قائلين: كيف نرضى بمحاكمة زعيم عربي على يد «الأجانب» و«القوى الإمبريالية»؟!
هذا كله يعيد الأسئلة حول حق الآخر في أن يكون موجوداً، والإيمان باختلافه وتعدده وتنوعه، والتعاطي مع مخالفته للقوانين والأعراف والمصالح الوطنية بأساليب قضائية ومدنية حضارية يقررها القانون المحايد والقضاء المستقل النزيه، ولا يتم التعاطي مع أي مخالفات، إن وجدت، بأساليب بدائية تنمّ عن «شهوة متأصلة للعنف» ورغبة كامنة في إفناء المختلف أو الآخر أو المعارض.
ولنا أن نتساءل: «هل الذات العربية لا تعترف إلا بمعاناتها هي»، كما يقول الكاتب اللبناني حسام عيتاني؟ ومن هنا تتضح صورة أن ما حدث للأكراد ولأهل دارفور، لا يثير كثير تعاطفٍ عربي مع هؤلاء، بل يُسوّغ ما حدث وربما يتم مباركته قولا أو صمتا.
الأجدر أن نتّسق مع أنفسنا ونحن نطالب العالم بألا يغض الطرف عن جرائم إسرائيل وعنصريتها ضد الشعب الفلسطيني، وآخرها إطلاق النار المتعمد على الفلسطيني المقيّد الذي بثته وسائل الإعلام الصيف الماضي، كما يجب أن نتّسق مع أنفسنا حين طالبنا العالم بألا يقف مكتوفاً أمام فظاعات «سجن أبو غريب» التي ارتكبها جنود أميركيون ضد مواطنين عراقيين.
وهذا الاتساق يحتمل مقصدين: الأول أن مطالبة الآخرين بأن يقفوا مع معاناتنا التي يرتكبها المحتل أو غيره يجب أن تتضمن رفضنا لأي انتهاكات تقوم بها أطراف داخلية عندنا ضد مواطنيها وأبناء شعبها. والمقصد الثاني هو الانتباه إلى أن الغرب الذي ندينه أحيانا بالمطلق، هو، بوسائل إعلامه وليس بوسائل إعلامنا، من كشف عن جريمة «سجن أبو غريب» (الإعلام الأميركي)، وهو من قدّم للعالم صورة قتل إسرائيل بدم بارد لمحمد الدرّة (القناة الفرنسية)، ومنظمة «بيت تسليم» الإسرائيلية هي من روّجت لصورة الفلسطيني الذي أطلق جندي إسرائيلي النار على قدمه وهو معصوب العينين كما ظهر ذلك في الإعلام الصيف الماضي كما ذكرنا سالفا. ولنتذكر أيضاً أن الضغط الخارجي والدولي وجهود المنظمات الحقوقية الدولية، هي من أسهمت بالعمل على تحسين الشروط الإنسانية للعمالة الآسيوية والوافدة في الخليج وأسهمت بفعالية في معالجة ملف «راكبي الهجن».
إن إدانة الظلم وانتهاك حقوق الإنسان ينبغي أن يتم تبنيها كمكون أساسي في ثقافتنا وأفكارنا ومواقفنا، ومن غير أن تكون هذه الإدانة شاملة ومبدئية ولا تخضع للاستثناءات من أي طرف جاءت: في الداخل أو الخارج، فإننا نعيد ونجتر من جديد عناصر تخلّفنا التي يمكن الإحالة إلى بعضها في تاريخنا العربي والإسلامي، من قبيل قولات تدعو للخضوع والطاعة.
* كاتب أردني




















