وصل باراك أوباما إلى البيت الأبيض على صهوة دعم له عبر شبكة الإنترنت، ومن المنطقي بالتالي أن يخطط لاستخدام الوسيلة نفسها أداة للدبلوماسية. إن وزيرة خارجيته، هيلاري كلنتون، قالت كلاما بهذا المعنى في وقت سابق من هذا الشهر. فقد صرحت في 4 فبراير خلال اجتماع في العاصمة واشنطن: "لا أشك بتاتا في أننا نكاد لم نتخط القشور فيما يتعلق بالوسائل التي يمكننا استعمالها للتواصل مع الناس في أنحاء العالم. نحن، في رأيي، نهدر الوقت، ونهدر المال، ونهدر الفرص، لأننا غير جاهزين للتواصل بفعالية مع الموجودين في عالم الاعمال والعالم الخاص".
كلنتون محقة في أن تشعر بالحماسة حيال أدوات الجيل الثاني لشبكة الإنترنت. فهذه الأدوات تقدم الوعد بالترويج للديموقراطية في دول تسبب للولايات المتحدة حاليا انزعاجا كبيرا على الصعيد الجغرافي السياسي، ولاسيما إيران، والصين وروسيا. لكن العمل لن يكون سهلا. فلطهران، وبكين وموسكو أصلا حضور على شبكة الإنترنت وهي ضاعفت خلال الأشهر القليلة الماضية حملاتها للتلاعب بالرأي العام في الديار.
إن الامتداد الذي تشدد عليه كلنتون يمكن أن يعود بفائدة لا يستهان بها. ففي ذروة الحرب على غزة، شنت وزارة استيعاب المهاجرين في إسرائيل حملة لتجنيد "جيش من أصحاب المدونات الإلكترونية" يتألف من إسرائيليين يجيدون لغات عدة كانوا يملكون القدرة على أن يعكسوا المشاعر المناهضة لإسرائيل في مواقع إنجليزية، وألمانية، وإسبانية، وبرتغالية، وروسية وفرنسية. وبحسب تقارير أوردتها صحيفة "هآرتس"، وبعد تسجيل أسمائهم في الوزارة، تم توجيه المتطوعين نحو مواقع اعتبرتها السلطات "مسببة لإشكاليات". كان بوسع المتطوعين أن يتسجلوا حتى للحصول على تنبيهات آلية تحث على التحرك بصورة جماعية ردا على مقالات واستطلاعات رأي محددة.
إذا سلكت الولايات المتحدة طريقا مماثلا، فمن المنطقي أن نفترض أن الدول التي ستستهدفها ستتخذ خطوات لمواجهة ذلك التدخل. قد يظن القادة الأمريكيون أن ملايين الروس، والصينيين والإيرانيين الذين تصفحوا الإنترنت في السنوات الأخيرة يبحثون عن وجهات نظر غربية، لكن حكوماتهم أصبحت اليوم تملك خبرة كبيرة في تحويل تلك النزعة لمصلحتها هي.
لقد قال الرئيس الروسي ديميتري ميدفيديف إن إدارته لن تفرض رقابة على الإنترنت، ولكن قد يكون سبب ذلك عثورها على شيء أشد فعالية وهو: تحويره بما يلائمها. يستخدم الكرملين شركة خاصة، اسمها "نيو ميديا ستارز"، أسسها كونستانتين ريكوف، وهو نائب في الدوما يبلغ من العمر 29 عاما. تتضمن إمبراطورية ريكوف الإعلامية الجديدة مواقع إخبارية على الشبكة، وموقعا خاصا بمؤيدي فلاديمير بوتين (zaputina.ru ــ أي "لأجل بوتين"!)، وألعابا على الشبكة وقناة تلفزيونية عبر الإنترنت تميل إلى الكرملين. إن التنقل عبر دهاليز الدعايات الترويجية هذه ومحاولة دس رسائل فعالة مؤيدة لأمريكا سيصعبان حتى على وزارة الخارجية المتضلعة من شبكة الإنترنت.
ففي الصين، بدأت كل من السلطات الوطنية والمحلية بتشجيع الشبكات الحرة التي يتصفحها الناس العاديون على الترويج لإيديولوجية الحكومة من خلال تحديد الآراء المخالفة على الإنترنت والرد عليها. هذه الممارسة منتشرة جدا لدرجة أن المعلقين الذين تدعمهم الحكومة أصبحوا يلقبون بـ"حزب الـ50 سنتا" (في إشارة إلى الأتعاب الزهيدة التي يتقاضاها بعضهم لقاء عمله). لقد قدرت صحيفة "آبل ديلي" الصادرة في هونغ كونغ عدد أعضاء حزب الـ50 سنتا بـ280 ألف شخص. وثمة ضغوط أكبر تمارس على مرافق الإنترنت وعلى مواقعها الإخبارية الرائجة. فبحسب ديفيد باندورسكي، وهو باحث في وسائل الإعلام في جامعة هونغ كونغ، يجري الطلب من أهم تلك المواقع بأن تستخدم معلقيها المقيمين الخاصين بها كي يواجهوا التعليقات المناهضة للحكومة التي يرفقها المواطنون بالمقالات.
إن رجال الدين في إيران لحقوا أيضا بركب الفضاء الرقمي. فعندما بدأت الإنترنت تلقى الرواج في وقت سابق من هذا العقد، حاول المعلمون الدينيون أن يشرفوا على أنشطة الشبكة التي يمارسها طلابهم الشبان وأن يروجوا لاستخدام الإنترنت لغايات دراسية دينية بشكل أساسي. ولما أصبحت إمكانية دخول الإنترنت منتشرة، خرجت تلك الطريقة عن السيطرة. في الآونة الأخيرة، بدأ الفضاء الرقمي الإيراني يعكس مدى تعقيد السياسة الإيرانية المعاصرة، حيث تلجأ فئات مختلفة ــ دينية، وشبه عسكرية وعلمانية ــ إلى التنافس بهدف التأثير في الآراء. وبهدف مجاراة الوضع، استخدمت الحكومة والمؤسسات الدينية جحافل من أصحاب المدونات الإلكترونية كي يروجوا لوجهات نظرها. (إن آخر فصول حرب المعلومات هذه يتمثل بقرار اتخذته إحدى وحدات الحرس الثوري الإيراني سيء السمعة بإطلاق 10 آلاف مدونة إلكترونية هدفها مقاومة أصوات العلمانيين والشيعة المنافسين على حد سواء). النتيجة أصوات متنافرة لفئات دينية متناحرة. لقد وجد جون كيلي، وهو خبير في عالم المدونات الإلكترونية الإيرانية في مركز بيركمان بجامعة هارفارد، أنه في العام الماضي ارتفعت نسبة مواقع الإنترنت الدينية بين المدونات الإيرانية الـ5000 ذات أعلى نسبة متصفحين ارتفاعا من 16 بالمائة إلى 31 بالمائة.
ما معنى ذلك بالنسبة إلى دبلوماسية الجيل الثاني؟ إن وجود هذا العدد الكبير من الحكومات التي تتلاعب بالإنترنت لمصلحتها ــ خلال ممارستها في الوقت نفسه تكتيكات قديمة مثل سجن أصحاب المدونات ــ يوحي بأن الأشخاص الذين أملوا في استخدام الفضاء الرقمي للترويج للديموقراطية والمثل العليا الأمريكية بصورة مجانية قد يواجهون معركة قاسية. بل يمكن أن تزيد شبكة الإنترنت مهمتهم صعوبة.
تاريخ النشر: الثلاثاء 10/3/2009
"نيوز ويك"




















