الحياة – 13/03/09//
تتعدّد الأسباب والتوُّجهات، والقتل واحد. وحين تغيب العدالة عن أرضٍ ما، فهذا يعني أن الجريمة صائلة وجائلة، ومستشرية ومعشِّشة، دون حسيب أو رقيب. ولبنان، هذا البلد الصغير والجميل، كان ولمَّا يزل، يتمتَّع بهامش ديموقراطي، رغم كل أهوال الحروب الأهليَّة، والنزاعات الإقليميَّة، التي كان مسرحاً لها. لكن، الهامش الديموقراطي ذاك، لم يكن ليضمن العدالة، التي تثلج صدر ذوي الضحايا، وتفرح قلوبهم، وتردع وترهب القتلة والجناة الإرهابيين. وكثيراً ما كان المستبدّون والقامعون لشعوبهم في الشرق الأوسط، وحين يودُّون تبرير قمعهم وظلمهم لشعوبهم، يلجأون إلى تعداد مساوئ ومخاطر و»قبائح» و»فضائح» التجربة الديموقراطيَّة اللبنانيَّة، قائلين لمن يحلم بالديموقراطيَّة في بلادهم، كلاماً من طينة: «انظروا إلى ما جلبته الديموقراطيَّة للبنان من فوضى وإرهاب وطائفيَّة وفتن ومؤامرات ومقامرات…الخ»!. لكن الديموقراطيَّة اللبنانيَّة، باتت على تخوم إنجازها للعدالة للبنانيين. فبالديموقراطيَّة وحدها، يمكن للعدالة أن تنتقم لنفسها، أن تثأر لنفسها، أن تحصِّن نفسها في لبنان، وفي أيّ مكان. وهذا ما سيحصل، ويقدم لبنان مجدداً درساً لنا، وللشرق الأوسط، وللعالم. لبنان الآن، يوقظ الشرق الأوسط على طقوس وتقاليد في الديموقراطيَّة والسعي نحو العدالة، مهما كانت الأكلاف. لذا، يريد الطغاة والمستبدّون تدمير هذا البلد، قبل أن يستنبت في شعوب الشرق الأوسط شتلة الانتفاض من أجل الديموقرطيَّة والعدالة، ومحاسبة المجرمين، وأعداء الحريّة. فمثلما كان لبنان مشتلاً للنهضة واليقظة والاستنارة العربيَّة، في مواجهة دياجير الحكم العثماني، مطلع القرن المنصرم، ها هو الآن، وفي مطالع هذا القرن أيضاً، يسعى لأن يكون مشتلاً للديموقراطيَّة والعدالة. لذا، فإن قتلة رئيس الوزراء اللبناني رفيق الحريري، ورفاقه، وبقيّة شهداء حريّة واستقلال لبنان، لا يقلّون دمويّة ووحشيَّة عن جمال باشا السفَّاح. وحيث انتهى الأخير، سينتهي هؤلاء القتلة أيضاً.
وبعد طول انتظار وترقُّب وآلام وأحزان ودماء…، انطلقت المحكمة ذات الطابع الدولي، لمقاضاة الإرهابيين القتلة في لبنان. وذهبت كلّ محاولات عرقلة التحقيق الدولي أدراج الإصرار اللبناني والدولي على كشف الحقيقة. وذهبت كلّ محاولات عرقلة وتعطيل المحكمة الدوليَّة أدراج العناد والإصرار اللبناني والدولي على كشف الحقيقة وتحقيق العدالة، وطيّ سجلّ، طويل عريض من جرائم الاغتيال السياسي. لكن، لا زال من المبكِّر الاطمئنان على لبنان، ومن خلاله، على الشرق الأوسط. فـ»الإصبع المرفوع»، لم يتّجه بعدُ صوب القتلة، ولمّا يزل هؤلاء، طلقاء. ومن حقّ ضحايا كلّ جرائم الاغتيال السياسي في لبنان أن يفرحوا. ومن حقّ كلّ ضحايا جرائم الاغتيال السياسي في العراق وسورية وتركيا وإيران، وكلِّ مكان، أن يفرحوا للبنان، ويمنّوا النفسَ بنسخة عن هذه المحكمة الدوليَّة – اللبنانيَّة في بلدانهم أيضاً. كما أنه من حقِّ كلِّ المجرمين والقتلة، ليس في لبنان وحسب، بل في كلّ أنحاء العالم، أن يقلقوا ويخافوا، وأن يرتدعوا، وأن يعلموا أن أيّة محاولة جديدة، لنسف العدالة، أو الفرار منها، ستعرِّيهم أكثر.
بالتأكيد، أن الذين أمروا وخططوا ونفَّذوا جريمة اغتيال الحريري، وسائر الجرائم الأخرى، كانوا يتابعون تلك «اللحظة التاريخيَّة» في انطلاقة العدالة اللبنانيَّة، بكثير من القلق والترقُّب والخوف والرعب. وبالتأكيد أيضاً، أن اللحظات الباقيَّة، من عمر هذه المحكمة، ريثما تصدر حكمها، ستكون جزءاً من العقوبة بحقّ هؤلاء القتلة، لما فيها من عذابٍ للمجرمين. بالتأكيد، إنّهم الآن، يتخيّلون أنفسهم خلف القضبان. وربما هذه اللحظات القاتلة، هي التي ستقتصُّ من القتلة المجرمين، في كلَّ لحظة.
حاصل القول: لو كان صدَّام حسين يعلم أنه سيحاكم، ويُقدَّم للعدالة، على ما اقترفه بحقِّ شعبه، ومعارضيه، وبحقّ المنطقة، لربما راجع نفسه قليلاً، قبل ارتكاب تلك الفظائع. ولو كان سلوبودان ميلوشيفيتش ورادوفان كراديتش يعلمان أنهما سيقدَّمان للعدالة، لربما فكَّرا قليلاً بتجنُّب ارتكاب جرائمهم. ولو عرف الرئيس السوداني عمر البشير، أن العدالة ستطرق أبواب السودان، عبر محكمة الجنايات الدوليَّة، لما دعم شيئاً اسمه «الجنجاويد» في دارفور، كي يرتكبوا تلك المذابح الوحشيَّة. لكن، متى يمكننا أن نقول: إن زمن الإفلات من العقاب ولَّى، وإنه صار للعدالة سلطة دوليَّة، تطال كلّ مجرم، كائناً من كان، وفي أيّ زمانٍ ومكان؟. الجواب، ببساطة، حين نجد محاكمات دوليَّة للمذابح التي ارتكبت بحقّ الأرمن مطلع القرن المنصرم، والمذابح التي ارتكبت بحقّ الأكراد في تركيا، في انتفاضة 1925، وانتفاضة ديرسم (1937 – 1938)، والتي راح ضحيتها، في هذه الانتفاضة فقط، وفق التقديرات الرسميَّة، 12 ألفا من الاكراد العلويين، ووفق التقديرات الكرديَّة، ما يناهز الـ 60 ألف كردي علوي. هذه الانتفاضة، التي لا يسمح الأتراك، بالكشف عن الأرشيف السرّي للدولة المتعلّق بها، حتّى بعد مضي أكثر من 70 سنة عليها، آن للعدالة الدوليّة ان تفتح ملفَّاتها، وتقاضي مرتكبيها، ولو بعد موتهم.
نعم، لقد كان انطلاق المحكمة الدوليّة «لحظة تاريخيَّة»، يخالطها فرح ذوي الضحايا، وقلق ورعب الجناة، وأمل ضحايا آخرين. وحين نرى أن ملفّ المذابح التي ارتكبتها إيران الشاه، وإيران الخميني، بحقّ العرب والأذريين والأكراد، صار أمام المحاكم الدوليَّة، حينئذ يمكننا الاطمئنان على الشرق الأوسط، والعدالة الدوليَّة.
* كاتب كردي مقيم في بيروت.




















