المستقبل –
أطلق الرئيس الاميركي باراك أوباما دبلوماسية جديدة في الشرق الأوسط. ولكنه لم يطلق سياسة جديدة. الفرق بين الإثنين هو ان التغيير ينحصر بالشكل لا بالجوهر. بمعنى ان الثوابت الاميركية لا تزال على حالها، اما المتغيرات فانها تتعلق بالآلية.
الرئيس السابق جورج بوش اعتمد آلية للعمل السياسي في المنطقة تقوم على التهديد والوعيد، ثم على المقاطعة وفرض العقوبات، وبعد ذلك على القوة العسكرية.
قسّم الرئيس بوش دول المنطقة الى اصدقاء وخصوم. اما الاصدقاء فمهمتهم عنده هي التكامل مع تحركاته السياسية أو عدم التعرّض لها. وأما الخصوم فانهم حسب العبارة التي كان يرددها كثيراً "يعرفون ماذا نريد، وعليهم ان يفعلوا ما نريد.. وإلا..".
لم يكن يتحدث مع هؤلاء الخصوم. ولم يكن يزعج نفسه في ان يشرح لهم ماذا يريد ومبررات أو اسباب ما يريده. كان على ثقة من ان قوة الضغط المعنوي، او المادي أو العسكري كافية وحدها لإفهامهم ولإقناعهم.غير ان هذه الآلية فشلت مع الأصدقاء والخصوم ومع الحلفاء والأعداء معاً. فلا الحلفاء نفذوا ما يريد.. ولا الأعداء خافوا من تهديداته وضغوطه فاستسلموا الى ما يريد. ومن هنا منيت سياسته بالفشل الذريع.
يعترف الرئيس الجديد باراك أوباما (ومعه ادارته الجديدة) بهذا الفشل. ولذلك قرر اعتماد اسلوب (أو آلية) مختلفة تماماً. بل معاكسة تماماً.
فمع الاصدقاء ترى ادارة أوباما مثلاً، ان الرئيس الفلسطيني محمود عباس (ابو مازن) ظُلم كثيراً عندما طلبت منه ادارة بوش ان يقاتل حماس وأن يفاوض اسرائيل. فالمعادلة كانت خاطئة من الأساس. وهذا الخطأ يتمثل في خسارة الرئيس الفلسطيني أمام حماس في غزة وفي فشله في المفاوضات مع اسرائيل.
ولذلك يرى الرئيس أوباما ان دعم السلطة الوطنية الفلسطينية يتطلب اعادة نظر في المقاربة الاميركية لهذه القضية تقوم على تحقيق المصالحة الفلسطينية بين حماس وفتح اولاً وقبل كل شيء، وذلك على عكس ما كانت تفعله الادارة السابقة.
وأدرك الرئيس أوباما ايضاً ان ادارة بوش أخطأت كذلك في تحجيم دور مصر، بل وفي تجاوزها، الأمر الذي ادى الى تضخم الأدوار الايرانية والتركية مما شجع اسرائيل على تصعيد غطرستها، من دون ان يقدم ذلك كله اي خدمة او اي انجاز ايجابي للمصالح الستراتيجية الاميركية في المنطقة أو ان يدفع بمسيرة التسوية السياسية خطوة واحدة الى الأمام.
من هنا كان قرار ادارة أوباما تشجيع مصر على استعادة دورها في المنطقة، وعلى رفع الحواجز التي وضعتها الادارة السابقة في طريق هذا الدور. فكان من ثمار هذا التحوّل النجاح المصري في تحقيق المصالحة الوطنية الفلسطينية.. وهي في حد ذاتها مدخل أساس للمصالحة العربية ـ العربية التي اشرقت من خلال مبادرة خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز في قمة الكويت.
كانت ادارة الرئيس بوش قد اتخذت موقفاً سلبياً من سوريا. فبعد ان سحبت السفير الاميركي من دمشق، أوقفت الاتصالات المباشرة معها، حتى ان السفير السوري في واشنطن، نادراً ما كان يُستدعى الى الخارجية الاميركية الا لتوجيه تأنيب حول موقف ما أو لتبليغه احتجاجاً على موقف ما. أدى ذلك الى ازدياد هوة اللامعرفة بين الطرفين وهو أمر زاد في حجم التوتر بينهما.
وفي الأساس لا ادارة الرئيس السابق جورج بوش، ولا ادارة الرئيس الجديد باراك أوباما ترغب في تغيير النظام في سوريا. وقد اعلنت كل منهما عن ذلك صراحة اكثر من مرة وفي اكثر من مناسبة. غير ان الادارتين تتطلعان الى تغيير سلوك النظام.
اعتقدت الادارة السابقة ان المقاطعة والعقوبات والتهديدات تحقق الغرض المطلوب، ولكن ذلك ثبت فشله. وانطلاقاً من هذا الفشل انفتحت الادارة الجديدة على دمشق على أمل اقناع النظام بتغيير سلوكه بالتي هي أحسن، أي من خلال الحوار والمصالح المشتركة. فكان الانفتاح الاميركي، حتى ان الوفود الاميركية من مختلف المستويات تزاحمت على دمشق ملوّحة بغصن الزيتون وبالجزرة معاً. اما العصا فقد طويت ولو الى حين. ويبدو ان هذا التغيير في الآلية بدأ يعطي أكله. ويتمثل ذلك في الأمرين التاليين:
الأول هو تحقيق المصالحة الفلسطينية. ولو كان لسوريا رأي آخر في هذه المصالحة ربما ما وُلد اتفاق القاهرة. اما الامر الثاني فهو تحقيق المصالحة السعودية ـ السورية، حتى ان وزير الخارجية السعودي الأمير سعود الفيصل قال عن الخلافات العربية بأنها "دفنت عميقاً" وحتى ان ابو الغيط وزير الخارجية المصري أشاد بالتصريحات الايجابية التي أطلقها وزير الخارجية السوري وليد المعلم، وهي ظاهرة جديدة في التناغم العربي.
صحيح انها ليست المرة الأولى التي يتم فيها التوصل الى تسوية للخلافات الفلسطينية ـ الفلسطينية، فقد سبقها اتفاق مكة الذي رعته المملكة العربية السعودية، واتفاق صنعاء الذي رعته اليمن..
وصحيح ايضاً انها ليست المرة الأولى التي تسوى فيها الخلافات العربية ـ العربية، فقد جرت مصالحات عربية تكاد لا تعدّ ولا تُحصى قبل القمة العربية التي عقدت في دمشق وبعدها.. الا ان ما يميز التسويتين هذه المرة هو انهما تأتيان بتوافق اميركي ومع اطلالة العهد الجديد للرئيس أوباما.. اي ان التعطيل الاميركي توقف وحلّ الضوء الأخضر مكان الضوء الأحمر. ولعل هذا هو أهم ما يميز أوباما عن بوش شخصاً وإدارة.
يبقى التأكيد على ان ضخ الحيوية في الدور المصري في الشرق الأوسط لا يعني التقليل من دور كل من ايران وتركيا. فايران بالنسبة للولايات المتحدة تلعب دوراً اساسياً في كل من أفغانستان والعراق المجاورين لها شرقاً وغرباً. كما ان ملفها النووي أصبح شاغل الدنيا بعد ان نجحت في انتاج واطلاق صواريخ بعيدة المدى. وهنا ايضاً بدلاً من سلبية المقاطعة التي اعتمدتها ادارة بوش كآلية للتعامل معها، قرّرت ادارة أوباما آلية ايجابية ولكن على أمل تحقيق الأهداف ذاتها وهي وقف تخصيب اليورانيوم والتأكد من عدم انتاج سلاح نووي مقابل جوائز ترضية سياسية واقتصادية تقدم اليها. وبانتظار الانتخابات الرئاسية الايرانية في يونيو المقبل تطلق ادارة الرئيس أوباما مبادراتها على قاعدة نتائج هذه الانتخابات وهوية الرئيس الايراني المقبل.
اما تركيا فانها كانت ولم تزل حاجة استراتيجية اميركية ثابتة لموقعها الجغرافي المميز ولعضويتها الفعالة في حلف شمال الاطلسي. ولا شك في ان الحاجة الاميركية اليها قد ازدادت في عهد الرئيس أوباما على خلفية اقفال القاعدة العسكرية الاميركية في قرقيزيا والتي تشكل انبوب الحياة للقوات الاميركية في افغانستان. ثم ان تركيا هي الممر الاساسي للنفط والغاز اللذين تنتجهما شركات النفط الاميركية في قزوين والقوقاز وتجرّهما عبر الأنابيب الى مرفأ جيهان التركي على البحر المتوسط. ثم ان تركيا تقف على مشارف العراق حيث الملف الاميركي لا يزال وسيبقى مفتوحاً في المستقبل المنظور.. حتى ولو تم سحب القوات الاميركية منه، كما أعلن عن ذلك الرئيس أوباما.
تبقى علامة الاستفهام الكبيرة، وهي: كيف ستتصرف ادارة الرئيس أوباما اذا لم تؤدِّ هذه التحوّلات في آلية عملها السياسي الى النتائج المرجوة؟. كيف تتصرف اذا انتكست مرة جديدة العلاقات بين حماس وفتح؟ واذا رفضت حكومة اسرائيل الجديدة مبادرة التسوية العربية؟.. واذا تمسكت دمشق بسلوكها السياسي؟، واذا أصرّت ايران على برنامجها النووي؟.. هل تعود البوشيّة من دون بوش؟..




















