المستقبل
لماذا اعتبرت انتخابات المجالس المحلية، التي جرت في كانون الثاني، مصيرية في الوقت الراهن، لا سيما أنها حصلت بعد شهر من توقيع الاتفاقية الامنية بين الحكومة العراقية والادارة الاميركية السابقة ؟ وهل رسمت نتائج هذه الانتخابات صورة الانتخابات التشريعية التي ستجري في كانون الاول المقبل؟
سؤال طرحه المراقبون عشية صدور نتائج الاقتراع التي شكلت مفاجئة على الصعيدين الداخلي والخارجي. ولكن الاجابة على هذا التساؤل جاءت من خلال مفاجأتين: الاول كان قد أظهره، استطلاع للرأي أجراه المركز الوطني للإعلام (تابع لأمانة مجلس الوزراء في العراق!)، قبل حصول الانتخابات، وتأكد فيه أن غالبية الناخبين العراقيين مؤيدة للقوى "العلمانية والوطنية" ورافضة للقوى التي تدعو لتقسيم العراق على أساس فدرالي.
الاستطلاع الذي شمل 4500 شخص تم اختيارهم من جميع مكونات المجتمع العراقي، أكد حصول التيار العلماني على 42 بالمئة مقارنة بالتيار الديني الذي حصل على 31 بالمئة فقط، وذلك رداً على سؤال حول من يقدر على قيادة البلاد بشكل أفضل. وجاء الجواب ليشير إلى أن معظم العراقيين يتفقون على أن الجماعات المؤمنة بالفدرالية التي حكمت البلد بالتحالف مع الاحتلال، أغرقت العراق بسلسلة من الجرائم والفساد والنهب.
أما المفاجئة الثانية، فقد أكدتها نتائج الانتخابات، حيث سحقت القوى الوطنية التي فازت بالاستطلاع، الجماعات التقليدية المهيمنة على العراق منذ احتلاله في نيسان 2003، ولولا محاولات التزوير التي حصلت من قبل بعض الاحزاب الحاكمة التي استحضرت فيها الخطابات المذهبية، لفازت القوى غير الطائفية وشخصيات وطنية أخرى بعدد كبير من المواقع، وما فوز قائمة "الحدباء الوطنية" في الموصل بـ48,2 بالمئة، الا إشارة تحدي كبيرة لاحلام وأوهام من كان يريد أن يبتلع من الموصل أقضية ونواحي تحت مسوغات إثنية وجيوسياسية كانت ستهدد وحدة ونسيج المتحد الموصلي ما دفعها للفوز على قائمة "نينوى المتآخية" التي يدعمها الاكراد وحصلت على 25 بالمئة، وهو ما شكل تقهقر آخر لبذور الفتنة العرقية في تلك المنطقة.
من الطبيعي القول ان هذه الانتخابات يجب أن تؤثر في المستقبل العراقي بعدما ساهمت التداعيات المأسوية للإحتلال في إنعاش التفكير التوحيدي داخل مكونات المجتمع العراقي، لأن العراقيين كانوا يدركون أنهم إذا صوتوا للطوائف المتاجرة بالدين والمقدسات أو للجماعات الاثنية العنصرية وبرامج الكراهية، فإنهم لا بد سيحصدون الحروب الاهلية، أما إذا ساد منطق استطلاع الرأي المشار إليه، أي منطق الوطنية والمواطنة، فإن المستقبل لابد سيبشر بعراق مزدهر حقاً.
بهذا المعنى اعتبرت الانتخابات، بالاضافة إلى كونها عنصر جوهري في الديمقراطية، فهي أيضاً كانت للعراقيين بمثابة الروح للجسد. وبهذا المعنى لم يذهب العراقي إلى الانتخابات وكأنه ذاهب إلى حفلة أو فسحة أو مناسبة دينية أو اجتماعية، كونه يدرك أن المشاركة في الانتخابات تقتضي وعياً سياسياً واجتماعياً وإحاطة بأسرار وخفايا العملية السياسية، وقد اقتضت مشاركة الفرد مجموعة من الناخبين الايمان بعملية التغيير، وهذا لن يحصل الا من خلال من يعبر عن قضيته الكبرى في وحدة الحياة التي يشكلها العراق بمكوناته المتكاملة والمتفاعلة. وبهذه الرؤية لم يتبع الناخب العراقي توجهه المذهبي ويقترع للمشروع الفدرالي، بل عاين المستقبل واتجه للكتل السياسية والشخصيات المستقلة التي ستخرجه من حالة الانفصام التي عاشها منذ سنوات، وهو يدرك أن القوى الحاكمة استدعت اسس التعايش من منظور طائفي وهو ما أظهر التوترات على الارض، بل ان اسس التعايش تلك هي التي سببت في خلق التوترات، ما يعني أن الصراع الداخلي في غضون سنوات الاحتلال كان بين المشاريع الطائفية والعرقية التي فازت في انتخابات العام 2005 من خلال الاعتماد على التوجه التفتيتي، والمشروع الوطني ـ العلماني الوحدوي الذي خاض معركته الانتخابية الراهنة متجاوزاً المذاهب والاثنيات.
في ضوء ذلك انقشع "غبار" المعارك الانتخابية على صورة العراق الجديدة، على الرغم من المعطيات السياسية الجارية في ضوء الانتخابات وتجلياتها، الا أن ذلك يجب أن يلغي من الذاكرة تداعيات الاتفاقية الامنية التي تم توقيعها بين الحكومة العراقية والادارة الاميركية السابقة، التي تؤشر إلى تعطيل وتأخير الكثير من مفاهيم العمل الساسي الوطني، من خلال الاستمرار بفرض ثقافة ولغة معينة على الشعب العراقي. لذلك ليس الهدف من هذه الانتخابات، بالنسبة للقوى والشخصيات الوطنية، أن تفوز أحزاب منكمشة على ذاتها تترك غبار صراعاتها المذهبية والاثنية، يشوه وحدة المجتمع العراقي وتدمر نسيجه السياسي والثقافي والفكري. وهذه التحديات هي ما يجب أن تشكل مقياس للقوى التي خرجت من رحم المعاناة التي عاشها العراقيون منذ العام 2003، ودفعوا ثمنها مقاومة ودماء وتهجير وتغيير ديموغرافي قسري صوناً لوحدة الحياة في مجتمع سيظل يسعى إلى لفظ سموم الجماعات التقسيمية التي جاءت مع الاحتلال وهي تتهيأ للخروج معه، فهل كان استطلاع الرأي ـ المفاجأة التي اشرنا إليها هي الخطوة الاولى إلى الامل؟ وما هي الاليات التي سينفذ من خلالها الفائزون برامجهم التي منحهم الناخبون لاجلها أصواتهم؟
إحصائيات ذات مغزى
* بلغ عدد المرشحين في انتخابات المجالس المحلية نحو 14 ألفاً و 431 مرشحاً من ضمنهم 3,612 مرشحة.
* فازت قائمة "الحدباء الوطنية" بـ 48,2 بالمئة على قائمة "نينوى المتآخية" بـ 25 بالمئة، فيما حصل الحزب الاسلامي على 3 بالمئة.
* بحسب المفوضية العليا المستقلة للانتخابات فأن نسبة المشاركة بلغت 51 بالمئة في عموم العراق: جاءت النسبة الاعلى في صلاح الدين 65 بالمئة (كانت 15 بالمئة في انتخابات 2005)، وبلغت 60 بالمئة في الموصل (مقارنة مع 14 بالمئة)، وفي الانبار بلغت 40 بالمئة (مقارنة بأقل من 1 بالمئة). وبلغت أعلى نسبة المقترعين في المحافظات الجنوبية 61 بالمئة، ولكنها لم تتجاوز نسبة 40 بالمئة في بغداد.




















