بغداد – من فاضل النشمي:
من المؤمل ان يجري الجهاز المركزي للاحصاء وتكنولوجيا المعلومات العائد الى وزارة التخطيط العراقية احصاء سكانياً يغطي جميع المحافظات العراقية في 24 تشرين الثاني المقبل.
وكان رئيس الجهاز الدكتور مهدي محسن العلاق اعلن في وقت سابق عن تأليف هيئة عليا للتعداد السكاني برئاسة وزير التخطيط علي بابان وعضوية وكلاء وزارات ودوائر غير مرتبطة بالوزارة، الى المجلس الاستشاري لمحافظة بغداد، وممثلين اثنين عن الكرد هما مستشار حكومي ومدير هيئة احصاء الاقليم. فضلا عن تأليف 29 لجنة متخصصة وغرف عمليات في المركز تعمل على تهيئة مستلزمات نجاح العملية، زائدا 16 لجنة في عموم محافظات العراق مهمتها تقديم الدعم والاسناد الى اللجان المركزية.
و في السياق ذاته باشرت لجان تابعة لمركز الاحصاء وتكنولوجيا المعلومات الجمعة قبل الماضية عملها التجريبي الاول من خلال توزيع استمارات الاحصاء السكاني على 100 زقاق تتألف من قرابة 500 دار، في خطوة اولية اعتبرتها المديرة التنفيذية للتعداد نهى خضر بمثابة "اختبار قبلي تم به اختبار استمارات التعداد بغرض ملاءمتها لبرامج الحاسوب الالكتروني". واضافت ان "التعداد التجريبي الاوسع سيجرى في شهر ايار المقبل وسيشمل 6 مناطق مختلفة في عموم العراق".
الى ذلك، قال المسؤول عن الاعلام في الجهاز المركزي للاحصاء والتكنولوجيا عبد الزهرة الهنداوي لـ "النهار" ان التعداد السكاني "يمثل استحقاقا وطنيا كبيرا"، وخصوصا انه ينفذ في العراق بعد 12 عاماً على آخر تعداد شمل المناطق العربية فقط، وبعد مرور 22 عاماً على آخر تعداد شمل المناطق العربية والكردية.
وكشف ان استمارات التعداد تضمنت حقول الدين والقومية، واغفلت تماما الاشارة الى المذهب او الطائفة، على رغم صدور بعض الدعوات من جهات معينة تطالب بادراج حقل الانتماء المذهبي ضمن استمارة التعداد. وجبه هذا الامر باعتراض المرجعية الدينية الممثلة بمكتب المرجع الشيعي الاعلى آية الله العظمى علي السيستاني، اضافة الى بعض القوى السياسية.
وفي شأن التجربة الاختبارية الاولى التي قام بها الجهازالمركزي للاحصاء، قال الهنداوي: "بدأنا التجربة يوم الجمعة 6 شباط الجاري واستمرت خمسة ايام انجزنا خلالها مرحلتين من العمل شملت الاولى ترقيم المباني وحصر السكان، وشملت الثانية بعد مرور اسبوع من الاولى عملية عد السكان". وأضاف: "لم يواجهنا الكثير من المشاكل في ما عدا مشكلة السكان المتجاوزين على اراضي الحكومة واملاكها والذين يمتنعون عن التعاون في شأن تقديم المعلومات خشية الترحيل او الطرد من مساكنهم "، مشددا على الأهمية الكبيرة للاحصاء كونه سيوفر "قاعدة بيانات كبيرة من شأنها مساعدة المخطط العراقي وصانع القرار في وضع المشاريع التنموية التي تساهم في النهوض بالواقع الاقتصادي والاجتماعي في البلاد، بعدما شهدت البلاد تغيرات كثيرة في الطوبوغرافيا السكانية".
وشدد على ان "التعداد لا يعني معرفة عدد السكان فحسب، لان حقول استمارة المعلومات توفّر قاعدة واسعة عن الانشطة السكانية والاقتصادية وخصائص السكن ". واشار الى ان النتائج الاولية المتعلقة بعدد السكان في عموم العراق وعدد الاناث والذكور سيكشف عنها بعد ثلاثة ايام من اجرائه، فيما ستعلن النتائج النهائية والتفصيلية بعد ستة اشهر، في وقت استغرق اعلانها في احصاء عام 1997 اربع سنوات. الامر الذي يعني ان في وسع المفوضية العليا للانتخابات الافادة من النتائج الاولية للاحصاء في انتخابات مجلس النواب المزمع اجراؤها في بداية السنة المقبلة.
ولعل العراق بين دول قليلة مثلت فيها احصاءات السكان مرآة عاكسة لأزمة البلاد السياسية وصراع الاطراف المتنافسين على السلطة. فلو اخذنا مثلاً محافظة كركوك ومشاكلها المعقدة و العالقة حتى اليوم، لوجدنا ان الاطراف الكرد مصرون على اعتماد احصاء 1957 ويرفضون الركون الى احصاءات سلطة البعث (1977 و 1987 و1997) لاعتقادهم انه اقرب الى الدقة، وتاليا يستطيعون من خلاله اثبات عائدية كركوك الى اقليم كردستان، في الوقت الذي يفند التركمان تلك المزاعم معتبرين ان عددهم في ذلك الاحصاء يفوق عدد نظرائهم الكرد.
وعلى رغم اجراء الاحصاءات الثلاثة الاخيرة في عهد الرئيس الراحل صدام حسين، الا انه هو الآخر اصر على اعتماد احصاء 1957 ايضا، لأسباب تتعلق بمسقط رأسه في محافظة صلاح الدين، اذ كانت هذه المدينة عائدة اداريا الى قضاء سامراء العائد بدوره الى محافظة بغداد عام 1957 ، الامر الذي يضمن لسكانها حق امتلاك الدور والاراضي وتسجيلها في بغداد، عقب اصدار نظام صدام ابان انتفاضة الشيعة والكرد في آذار 1991 ضد النظام قرارا يحظّر على المواطنين العراقيين غير المسجلين داخل بغداد في احصاء 1957 تملك عقارات واراض في بغداد، في خطوة فُسرت في حينها انها محاولة من نظام صدام حسين ترمي الى محاصرة سكان تلك المدن وعدم السماح لهم بالتحرك او الانتقال في مختلف انحاء البلاد.
وتعول مختلف الفئات العراقية على هذا الاحصاء ليضع لمختلف المشاكل التي تسبب بها خلو البلاد من احصاءات دقيقة، مثل : تخلص المفوضية العليا للانتخابات من احصاءات البطاقة التموينية غير الدقيقة، والتخلص ايضا من مشكلة الخلاف حول حصة اقليم كردستان من الموازنة العامة التي تحدد وفق النسب السكانية. الى انه يتيح للحكومة امكان التخلص من عشوائية وضع الخطط في ما يتعلق بمشاريع التنمية والاعمار، فضلا عن قول وزير التخطيط علي بابان :" انه لن يأتي مستثمر الى العراق اذا لم تكن لديه ارقام صحيحة ودقيقة".
ويذكر ان العراق اجرى ثمانية احصاءات سكانية منذ صدور اول قانون عراقي باسم "قانون تسجيل النفوس" عام 1927 حتى عام 1997، بدأت بعدد نفوس لا يتجاوز مليوني نسمة وانتهت بـ22 مليوناً عام 1997، فيما تشير التوقعات الى تجاوز عدد السكان سقف الـ29 مليوناً هذه السنة.




















