بعد انطلاق قطار المصالحات العربية – العربية توقف في محطته الأولى في الرياض، فاستضافت العاصمة السعودية قمة رباعية ضمت إلى الملك عبدالله بن عبدالعزيز كلاً من الرئيس السوري بشار الأسد والرئيس حسني مبارك وأمير الكويت الشيخ صباح الأحمد الجابر الصباح. وقبل وصول الزعماء العرب بساعات هبت على الرياض عاصفة رملية عاتية حجبت الرؤيا كلياً، وما أن بدأت قمة المصالحات حتى انقشعت الأجواء وزالت السحب القاتمة وكأنها تعلن ولادة فجر جديد من العلاقات العربية – العربية. قبل ذلك كان خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز صاحب مبادرة المصالحة يعلن «لقد حفرنا حفرة عميقة ودفنا فيها كل الخلافات».
وباسم التحليل الموضوعي للأمور يجب القول إن أجواء المصالحات أثارت الكثير من الارتياح في غير عاصمة، لكن آثر المجتمعون في قمة الرياض اعتماد الواقعية في الطرح وفي توقع نتائج اللقاءات العربية، ذلك أن تجارب الماضي حافلة بالنكسات وبالمفاجآت غير السارة.
ومن هذا المنطلق يمكن القول إن ما جرى التفاهم عليه في قمة الرياض يشكل «خريطة طريق» لإدارة الخلافات القائمة بين بعض الأطراف العربية، ومن شأن التفاهم على هذه «الخريطة» أنه يجنب العالم العربي المزيد من الشرذمة والانشقاق، الأمر الذي سيعيد طرح ملف العلاقات العربية – العربية بأسلوب توافقي بعيد عن التشنجات، ويطرح القضايا الخلافية من زاوية المقاربات الايجابية.
ما هي الأهداف الأولية لقمة الرياض؟
للرئيس السوري بشار الأسد وجهة نظر معينة لمفهوم التلاقي والتصالح. ففي رأيه أنه «لا يوجد اختلاف حقيقي في المصالح وإنما يوجد اختلاف في وجهات النظر، لكن لنا مصلحة في المصالحة الفلسطينية وعلى هذا العنوان نحن متفقون. لكن الخلاف يكمن في الطريقة». ويضيف: «ليس بالضرورة أن تتم خطوة كبيرة في لقاء وإنما طرح الموضوع الواحد قد يستغرق لقاءات عدة، وعملية المصالحة هي عملية طويلة ومستمرة وهي مثل المخطط البياني تصعد وتهبط، لكننا نحن العرب نتركها حتى تهبط إلى القعر فكيف نصعد بها فجأة إلى القمة؟ هذا مستحيل».
وعندما خرج الرئيس الأسد من اللقاء الرباعي في الرياض، وقبل أن يستقل طائرته عائداً إلى دمشق حرص على القول إن «أجواء القمة كانت ممتازة ومطمئنة، ونحن لا نزال في مرحلة السير باتجاه المصالحة، لأننا لم ننته من المواضيع كافة بالنسبة إلى القضايا على مستوى الساحة العربية، ولا أقصد على مستوى العلاقات السورية – السعودية أو السعودية – المصرية». ويوجز الرئيس بشار الأسد الموقف العام كالتالي: «انها بداية فعلية لتنقية الأجواء العربية»، ويؤكد على اتفاق قادة الدول الأربع على آليات لإدارة الخلافات العربية.
وعلق مصدر رسمي مصري على قمة الرياض بالقول لـ «الحياة»: «إن القمة لم تقتصر على تنقية الأجواء بين مصر وسورية، وإنما تطرق الزعماء العرب إلى تنقية حقيقية للأجواء بين الدول العربية كافة، بحيث يحضر الجميع القمة العربية في الدوحة في نهاية شهر آذار (مارس) الحالي، وكذلك من أجل حل مشكلات كثيرة تشكلت بسبب تدخل أطراف لا تعنيها مصالح العرب وتعمل على فرقتهم». وبدا واضحاً أن المقصود هو إيران.
أما القضايا المحورية التي ركزت عليها قمة الرياض فهي متنوعة، تأتي في طليعتها القضية الفلسطينية في ضوء تداعيات خطيرة لأحداث غزة وما تبعها، والخلافات القائمة بين الفصائل الفلسطينية حول طبيعة الحكومة الجديدة. لذا يُطرح سؤال كبير: كيف سيتم التعاطي مع الوضع الفلسطيني في ظل الظروف الحاضرة؟ ويبدو أن الاجتماعات التي عقدت في القاهرة وضمت مختلف الفصائل لم تنجح في طي صفحة الخلافات الفلسطينية – الفلسطينية. ويضاف إلى ذلك النزاع المرير القائم بين السلطة الفلسطينية وحركة «حماس» حول إعادة إعمار غزة. والسؤال الذي يُطرح سيكون حول الوضع الفلسطيني المنقسم بحدة في الأجواء التصالحية الجديدة.
وسؤال آخر لا يقل أهمية: كيف تستطيع سورية التوفيق بين المصالحات من جهة والعلاقات مع إيران من جهة ثانية، بخاصة أن تركيز الدول الخليجية في هذه الآونة هو على «الأخطار الآتية من ايران»، واستطراداً: هل باستطاعة الرئيس بشار الاسد السعي لدى طهران للتخفيف من حدة التوتر القائم؟ يبدو أنه من المبكر في هذه الفترة بالذات تحديد ما هو متوقع، لكن الأمر المؤكد أن واقعاً جديداً سيفرض نفسه على أسلوب معالجة الخلافات في وجهات النظر بين «معسكري» «الاعتدال» و «الممانعة».
وفي محاولة لايجاز القضايا العربية الخلافية والتي تحتاج إلى معالجة من نوع جديد وفي أجواء جديدة مختلفة كلياً عن السابق:
* لقد اختلف العرب في ما بينهم حول لبنان وحفلت السنوات الثلاث الماضية بالعديد من عمليات الاغتيال وأزمات من كل الأنواع، فهل سيتم ايجاد مقاربة عملية وصادقة لتجنيب لبنان المزيد من الخضات والأزمات؟ وبالتالي: كيف سينعكس الوفاق العربي على حال الوفاق اللبناني؟
* في هذا السياق، سألت الرئيس ميشال سليمان: ماذا على لبنان أن يفعل للإفادة في الأجواء التصالحية والوفاقية الجديدة؟ أجاب: علينا كلبنانيين أن نذهب إلى هذا الوفاق ونتأقلم معه، ولا يجب ولا يمكن انتظار هذا الوفاق أن يأتي إلينا!
* إذا كانت الخلافات العربية – العربية أدت إلى هذا النزيف القومي، فإن أجواء المصالحات تحتاج إلى جهد كبير للحفاظ عليها والتأقلم معها. إذ تبقى دائماً المجموعات المتضررة من قيام هذه المصالحات وهي التي بنت استراتيجيتها على أساس التعطيل.
* سيجري العمل على قيام المزيد من الاتصالات لتمهيد الطريق أمام القمة العربية التي ستنعقد في الدوحة في الثلاثين من آذار الحالي.
* وبالحديث عن الدوحة سيكون من المثير جداً معرفة مصير الرئيس السوداني عمر حسن البشير بعد صدور مذكرة التوقيف بحقه. فالعدالة الدولية تقول إنه سيتم اعتقال البشير فور مغادرته الأجواء السودانية. وجرت اتصالات بين المحكمة الجنائية الدولية والسلطات القطرية لـ «المساعدة» على تأمين اعتقال الرئيس البشير! وهذا ما لن يحدث. لكن هذه المسألة هي من مآسي هذه المرحلة من الواقع العربي، أن تكون مرغماً أو مكرهاً على تأييد رجل كالرئيس السوداني في معركته المكشوفة مع المحكمة الدولية. وبقطع النظر عن تهم المحكمة للبشير، فلا يمكن الدفاع عن العدالة الدولية عندما تنظر إلى الأمور بعين واحدة وتكون انتقائية في اختيارها للقضايا التي تقض مضاجع المجتمع الدولي. وكيف يمكن احترام أحكام المحكمة امام ما يرتكب يومياً من المجازر الإسرائيلية ضد الفلسطينيين؟!
مثلاً هل المطلوب تقديم إخبار عن ممارسات ايهود أولمرت (على سبيل المثال لا الحصر) ليصدر المدعي العام الدولي مذكرة توقيف بحقه؟ مثل هذه المحاباة تطرح الكثير من الشكوك حول عدالة القضاء الدولي، ومن لم يكن يؤيد البشير حتى الآن، فقد جعلته «العدالة الدولية» بطلاً قومياً بفضل استصدار مذكرة اعتقال من قبل لويس اوكامبو.
* يبقى الوضع في لبنان محور العديد من الاهتمام مع خطوات المصالحة العربية – العربية. وفي هذا المجال يرى الرئيس السوري بشار الأسد «أن لبنان يعيش على التوافق ويتفجر بغياب التوافق وليس بالانتخابات! فالانتخابات لا تجلب الاستقرار ولا تذهب بالاستقرار، ومفصلية هذه الانتخابات تتمدد في هذا الاتجاه: هل الطرف الرابح فيها سيأخذ لبنان نحو الوفاق أم العكس؟ إذا ذهب لبنان إلى الوفاق، بمعنى التوافق على كل شيء، فأنا اعتقد أن هذا مفصل مهم سيخلق الاستقرار للبنان، وإذا كانت هناك قوى تريد أن تسحب التوافق تحت عنوان «أنا رابح» فالنتيجة واضحة وهي تخريب الوضع في لبنان والعودة باتجاه اللااستقرار بعد مرحلة الاستقرار التي حصلت في أعقاب اتفاق الدوحة. وبهذه المنهجية ننظر إلى الانتخابات في لبنان».
* كاتب وإعلامي لبناني
" الحياة"




















