رام الله – من محمد هواش:
دخل الحوار الفلسطيني الذي ترعاه القاهرة مرحلة حساسة لجهة انتهاء الزمن المحدد لعمل لجان الحوار الخمس من دون التوصل الى اتفاق في القضايا الجوهرية التي هي محل الخلاف واحيلت على لجنة التوجيه العليا المكونة من رؤساء الوفود للنظر فيها وصوغ تسويات ملائمة تسمح باحداث اختراق سياسي يواكب المصالحات العربية، اذا كانت لدى الافرقاء ارادة كافية لذلك، ورغبة في صوغ تسويات تسمح بالتوصل الى اتفاق على برنامج عمل موحّد في الرؤية والادوات من شأنه ان يضع اساسا لطي صفحة الانقسام والتصدي لتحديات ليست سهلة حيال انهاء الاحتلال واقامة دولة فلسطينية، وقبل ذلك اعادة اعمار غزة.
وتفيد المعلومات المتوافرة من مقر جلسات الحوار في مبنى المخابرات العامة المصرية ان هناك خلافات لا تزال تضغط على الافرقاء في قضايا اساسية هي: برنامج الحكومة المقبلة والموقف من السلام مع اسرائيل، والانتخابات، ومنظمة التحرير الفلسطينية. الى قضايا اخرى تعتبر ثانوية وتحل تلقائيا مع اتفاق شامل كالاعتقالات والتجاوزات واجهزة الامن.
وقدمت مصر اقتراحا لحل قضيتي الحكومة والانتخابات يقضي بتأليف حكومة انتقالية من المستقلين تأخذ على عاتقها اجراء الانتخابات. ولكن لا يبدو سهلا التقدم نحو هذا الهدف. ومن المتوقع ان تتدخل مصر اكثر في تقديم اقتراحات تصل الى حد تقديم ورقة شاملة اذا ما فشلت حركتا المقاومة الاسلامية "حماس" و"فتح" في الاتفاق على تأليف حكومة واحدة تنهي الانقسام وتسمح للمجتمع الدولي بالانفتاح اكثر على القضية الفلسطينية من خلال عنوان سياسي واحد ذي تفويض شامل، وبرنامج عمل قصير يكفل خلال اشهر تصفية ذيول الانقسام.
ومع ذلك فان الحوار قطع شوطا في ازالة رواسب عدم الاعتراف بالآخر بين الافرقاء الفلسطينيين، واسّس لحياة جديدة قوامها الحوار وادارة اي خلافات وحلها سلما. وهذا انجاز ليس قليل الشأن، ويعد مرحلة مهمة وضرورية حتى وإن فشل الحوار في التوصل الى اتفاق شامل في غضون الايام القليلة المقبلة.
ويتحدث الافرقاء عن خلافات حيال تأليف الحكومة ومواقفها، وعن منظمة التحرير ومكانتها في الحياة السياسية الفلسطينية. ومع ان هذه الخلافات حقيقية وغير مفتعلة، فان الخلاف الاكثر عمقا من كل ذلك هو على مكانة حركة "حماس" في الحياة السياسية الفلسطينية، والمسافة بين المواقف المعلنة للحركة ومواقفها الحقيقية من أي تسوية سياسية مع اسرائيل. فليس صحيحا ان حركة "حماس" لا تريد مفاوضات مع اسرائيل، ولا اقامة دولة فلسطينية، ولا عملية سلام. وهي اقترحت حلولا سياسية اقل مما توافق عليه منظمة التحرير الفلسطينية. والمشروع الذي قدمته "حماس" عبر الوسيط السويسري (وثيقة احمد يوسف وهو مستشار سياسي لاسماعيل هنية) ينص على موافقة الحركة على دولة موقتة الحدود (اقل مما عرضت اسرائيل في مفاوضات انابوليس) رفضها الرئيس الفلسطيني محمود عباس، كما تنص على وضع مبهم للقدس يتمثل في مطلب حرية وصول الفلسطينيين الى الاماكن المقدسة فقط. ولا حديث في هذا الامر عن سيادة فلسطينية. وقد يكون صوغ "وثيقة يوسف" ينم عن عدم دراية كافية لا يمكن تجاهله في الحديث عن تشدد "حماس" حيال المفاوضات مع اسرائيل على حل يقضي باقامة دولتين. لكن الاحالة هنا تعني الى امور اخرى في مطالب مشروعة لحركة "حماس" حيال مكانتها في النظام السياسي الفلسطيني ومشاركتها في صوغ حلول عملية لانهاء الاحتلال واقامة دولة فلسطينية. وهذا امر لا يعني ان الاحالة في غير محلها او انها تهمة فحسب. فالرئيس عباس اعلن صراحة ان هنية طلب منه "تسويق هذه الوثيقة عند الزعماء العرب". لهذا السبب وغيره من الاسباب يُنظر الى مطلب "حماس" تمديد ولاية المجلس التشريعي الحالي انها تريد اخذ فرصة لتعزز مكانتها من داخل النظام السياسي لا من خارجه كما فعلت في الانقلاب العسكري في حزيران 2007. وهذا امر يحتاج الى دعم وتشجيع من الفصائل الاخرى وتحديدا من حركة "فتح". لكن هذه العملية قد تقيّد "حماس" بالموافقة على الاسس التي قامت عليها السلطة الفلسطينية، مثل مبدأ اقامة دولة فلسطينية عبر المفاوضات، وهو امر لا يتناقض ولا يتعارض مع استخدام العنف (مطلب "حماس") اذا لزم الامر. والفلسطينيون بقيادة منظمة التحرير فعلوا ذلك بقرار بعد فشل مفاوضات كمب ديفيد الثانية وهم على استعداد لمعاودة ذلك اذا تبين ان اسرائيل لا تريد انهاء احتلالها للاراضي الفلسطينية. ولكن المجتمع الدولي يعطي شرعية لبرنامج المنظمة انطلاقا من تسليمها بمبدأ التسوية الذي لا يجوز الخلط فيه بين "اكل الكعكة" و"الاحتفاظ بها"، اي الاعتراف بمبدأ التسوية على حل الدولتين والتمسك بمطالب تتجاوز حل الدولتين كالحديث عن ان "فلسطين وقف اسلامي" او ما شابه مثل "هدنة 50 عاما" (مع من لا تعترف "حماس" به). الا اذا كانت المواقف مجرد اوراق لعب للسيطرة على المجتمع الفلسطيني من خلال مسايرة مشاعره لا حاجاته. وهذا موضوع خلافي عميق آخر بين "فتح" و"حماس" .
ومنظمة التحرير الفلسطينية ايضا ليست افرادا وجماعات فحسب، بل هي ايضاً برنامج شرعي لانهاء الاحتلال، ودخول اي فصيل المنظمة لا يحتاج الى ثمن، كما ان المنظمة هي كيان معنوي وقانوني وشرعي قبل اقامة الدولة. وهناك من يعتقد ان المنظمة اكثر اهمية اليوم من الدولة، لان المنظمة حاملة مطالب الفلسطينيين داخل فلسطين وخارجها، ولا يجوز التفريط بها، حتى وان تكن هيكلا على الورق، قبل حصول الفلسطينيين على دولة ثمنا لقبولهم تسوية وتقسيم فلسطين التاريخية.
وتريد حركة "حماس" ان تُنافِس على قيادة المنظمة لتطرح مشروعها للتسوية، لذلك هي تتردد في الاعتراف بالمنظمة ممثلا شرعيا وحيدا للفلسطينيين قبل دخولها هي الى المنظمة بوزنها الحقيقي لا بأي طريقة تجحف بحقها. ويخطئ من يظن ان لدى "حماس" مشروعا عمليا بديلا من المنظمة، لهذه الاسباب ولسقوط تجارب مشابهة في التاريخ الفلسطيني ايضا، وهي لا تريد تكرار الفشل.
هل هذه المواقف تقرّب المصالحة؟
نظريا، نعم.
ولكن، هل المصالحة بناء على ذلك قريبة؟
ربما. وربما كبيرة لان المصالحة العربية بين دمشق وكل من القاهرة والرياض موضوعها الاساس فلسطين ولبنان ومنع تكرار ما جرى فيهما خلال السنتين الاخيرتين.




















