عبدالله اسكندر
تأخذ إدارة الانتخابات النيابية في لبنان، والمقررة في حزيران (يونيو) المقبل، مع بداية اطلاق الحملات ومفاوضات تشكيل اللوائح والتحالفات، منحى قد تنزلق معه الى عكس ما يُراد له من الاحتكام الى صناديق الاقتراع. فمنذ الآن يجري التركيز على وجوب ان يكون للحكومة المقبلة المفترض ان تنبثق عن صناديق الاقتراع شكل معيّن يستنسخ الحكومة الحالية التي تشكلت في ظروف غير سلمية وكتسوية للخروج من مأزق الفراغ الدستوري.
من المُفترض ان تكون الحملات الانتخابية مناسبة للتنافس بين برامج وشخصيات. وبعد الاقتراع يوكل الى غالبية جديدة، تجمعها قواسم مشتركة، تسمية مرشحها لرئاسة الحكومة الذي عليه، بالتوافق مع رئيس البلاد، اختيار اعضاء حكومته، استنادا الى رؤية الغالبية. وتتحمل هذه الحكومة، بكامل وزرائها، مسؤولية الحكم وادارة شؤون البلاد في حين ان وظيفة الاقلية الجديدة هي مراقبة عمل الحكومة ونقده لتحسينه وتصويبه. ومثل هذا المسار الدستوري هو الذي يعطي للاقتراع الشعبي معناه، ويبرر أصلا اللجوء إليه.
لكن ثمة اتجاها قويا في لبنان حاليا الى تجاوز معنى كل هذه العملية، عبر المطالبة سلفا بأن تكون الحكومة حكومة وحدة وطنية. لا بل ذهب بعضهم الى حد المطالبة بأن يعكس هذا التشكيل نسب تمثيل الكتل في البرلمان المقبل.
وبغض النظر عن الجدل الدستوري، وهو مهم في هذا المجال، وبغض النظر عن الظروف السياسية الاقليمية الحالية التي تستحضر كمبرر لهذه المطالبات، وعن التعقيدات الطائفية والمصلحية الداخلية، يحاول هذا الاتجاه ان يُصادر الحكم والحكومة المقبلة سلفا. لتتحول الانتخابات البرلمانية مناسبة مهرجانية ليس الا.
اصحاب هذه المطالبات، وهم حاليا ما يُعرف باسم المعارضة، رغم غرابة هذه التسمية لمن يكون مشاركا في الحكومة، يحاولون ضمان وجودهم في الحكومة بغض النظر عن نتائج الاقتراع. اي انهم يحرّفون سلفا معنى الاقتراع لبلورة غالبية تحكم واقلية تعارض، ويحولون الانتخاب الى شيء يشبه الاستفتاء، واحيانا التعيين، بفعل السيطرة على مناطق بعينها، خصوصا اذا كانت تضم غالبية من طائفة ما. اذا فاز هؤلاء بالغالبية البرلمانية يفوزون بالحكم ويعرضون على الاقلية المقبلة المشاركة استنادا الى برنامج لن تقبله بالتأكيد، فيتفردون بسياستهم. اما اذا فشلوا في الحصول على الغالبية، فإن تمسكهم بحكومة الوحدة يعطيهم حق الثلث المعطل (بفعل التوزيع الطائفي لأعضاء مجلس الوزراء)، وتاليا القدرة على منع حكومة الغالبية الجديدة من ان تحكم وفق برنامجها، وعلى فرض رؤيتهم على رغم هزيمتهم في الانتخابات.
لكن الخطر في كل ذلك يكمن في ارتهان الوضع السياسي برمته الى ميزان قوى عسكري، كما تأكد في احداث أيار (مايو) الماضي، والذي بموجبه فرض اتفاق الدوحة.
في موازاة ذلك، يكرس هذا الاتجاه التسوية التي تم التوصل اليها في الدوحة، والتي أدت الى انتخاب رئيس الجمهورية وتشكيل حكومة الوحدة الوطنية الحالية، وهي قاعدة تتعارض مع اتفاق الطائف الذي يشكل اساس الدستور الحالي وروحه، خصوصا لجهة تشكيل السلطات ومسؤولياتها.
واذ يلجأ اصحاب هذا الاتجاه الى تبرير مطالباتهم بالظروف الاقليمية والتحديات والتهديدات الاسرائيلية للبنان، فإنهم يرهنون عملية دستورية داخلية بأوضاع خارجية بما ينسف، في الوقت نفسه، معنى آلية أساسية من آليات الاستقلال والسيادة.




















