المستقبل –
التقديرات المتفائلة بشأن وصول الفصائل الفلسطينية الى الاتفاق على تجاوز الانقسام الفلسطيني لها ما يبررها، وأكثر من ذلك لها من الظروف ما يفرضها على الأطراف المتصارعة. فالاستحقاقات القادمة تجعل من الانقسام الفلسطيني شرطاً ضاغطاً على طرفي الانقسام، فحماس تقبع اليوم تحت ضغط شديد بشأن إعادة إعمار قطاع غزة بعد الحرب الإسرائيلية المدمرة. وهذا الضغط لا يأتي من الأطراف الدولية والإقليمية فحسب، بل من الوضع الداخلي في قطاع غزة، وبات من الواضح لحركة حماس أن المساعدات الجدية لإعادة إعمار ما دمرته الحرب الإسرائيلية الأخيرة في غزة لا يمكن أن يمر عبر حكومتها، طالما هي تنفرد بالسيطرة على قطاع غزة. ومن جهة ثانية، حركة حماس أمام استحقاق حكومة يمينية متهورة في إسرائيل بزعامة بنيامين نتنياهو سيكون وزير دفاعه موشيه يعلون صاحب نظرية "كي الوعي الفلسطيني" الذي لم يستطع أن يكويه وهو رئيس أركان الجيش الإسرائيلي، يعود اليوم ليكويه وهو وزير دفاع، وحدث ولا حرج عن وزير الخارجية افيغدور ليبرمان العنصري… في مثل هذه الأجواء الإسرائيلية تحتاج حماس الى الخروج من حالة الانقسام الفلسطيني حتى لا تستفرد حكومة نتنياهو بها وتجعل القطاع مهداف لآلتها العسكرية، بحيث يكون قطاع غزة قادراً على حماية نفسه بتجاوز حالة الانقسام للتصدي لأي ضربات تفكر بها حكومة نتنياهو من خلال الرقابة الدولية على الحكومة الإسرائيلية.
ليس حال السلطة الفلسطينية برئاسة محمود عباس أفضل حالاً من السلطة الحمساوية في قطاع غزة، فقد بشرها نتنياهو وقبل أن يشكل حكومته، أن وعد السلام قد ذهب الى غير رجعة، وإذا كان سيواصل التفاوض، فهو سيواصله من أجل "سلام اقتصادي" لا أحد يعرف ماهيته غيره. وبذلك فإن المفاوضات مع الحكومة التي كان يفترض أنها حكومة مؤمنة بـ"حل الدولتين" قصدت حكومة أيهود أولمرت قد وصلت الى طريق مسدود، كذلك فإن أفق المفاوضات في ظل حكومة نتنياهو اليمينية، يعيد خلط كل الأوراق الفلسطينية، ويجعل خيار التفاوض خياراً عبثياً، ما يحشر السلطة الفلسطينية في زاوية محرجة. ولا يغير من الأمر شيئاً أن إدارة أوباما في الولايات المتحدة الأميركية تريد "حل الدولتين"، وهذا ما ينذر بخلافات أميركية ـ إسرائيلية حول عملية المفاوضات. ولكن في جميع الأحوال على الجميع انتظار قطوع حكومة نتنياهو للعودة الى تحريك عجلة المفاوضات، وخلال هذا القطوع ليس على السلطة الفلسطينية صاحبة خيار المفاوضات، إلا انتظار أن تسقط حكومة نتنياهو بفعل خلافها مع الإدارة الأميركية الجديدة. ولكن هذا في حال حصوله، لن يكون خلال أسابيع، فهو يحتاج الى سنوات، وإن كان التقدير أن حكومة نتنياهو لن تكمل ولايتها، فإنه من المقدر لها أن تعيش عامين من ولايتها، وهذا ليس قليلاً على فرض الوقائع على الأرض.
هناك ظروف أخرى إقليمية تفرض نفسها على الحالة الفلسطينية وتدفعها باتجاه إنهاء حالة الانقسام. فالمصالحة العربية ـ العربية التي أطلقها العاهل السعودي قبل قمة الدوحة من خلال القمة المصغرة التي استضافتها المملكة السعودية، بين زعماء السعودية ومصر وسوريا والكويت تصب في هذا الاتجاه، فلا شك بأن الوضع الفلسطيني حساس للخلافات الإقليمية فهي تعكس نفسها سريعاً عليه، وتزيد من حدة صراعاته الداخلية. ويمكن القول إن الكثير من الظروف مواتية لخروج الحالة الفلسطينية من حالة الانقسام التي تعيشها.
لكن إذا كانت الظروف المستجدة تدفع باتجاه تجاوز حالة الانقسام، هل هناك عوامل تدفع باتجاه معاكس وتكرس عملية الانقسام، رغم كل التقديرات المتفائلة؟
أنا أعتقد ذلك، إن عوامل بقاء الانقسام أكثر من عوامل تجاوزه، حتى ولو بدت الصورة متفائلة.
والصورة المتفائلة هي وليدة الحوارات الإجرائية التي تديرها اللجان الخمس في القاهرة حول: المصالحة والحكومة والانتخابات وتوحيد أجهزة الأمن وإصلاح منظمة التحرير. ومن الواضح أن كل القضايا التي تناقشها اللجان هي قضايا إجرائية، على أهمية هذه القضايا، فهي لا تحل الخلاف الأساسي الذي دفع الوضع الفلسطيني الى حالة الانقسام الحادة التي وصل فيها حتى الاقتتال الدموي.
وإذا كان من الصحيح تفاوضياً أن تبدأ الحوارات بين الأطراف من القضايا الإجرائية على أهميتها بين الطرفين، رغم ما تحمله من ألغام متفجرة في طريق الحوار، إلا أن الوصول الى حلول بشأن هذه القضايا لا يحل المشكلة الأساسية، المشكلة السياسية، وأكثر من ذلك، لا يمكن الوصول الى اتفاقات بخصوص هذه القضايا، من دون الوصول الى اتفاق سياسي بين الأطراف. لذلك كل عوامل الفشل كامنة في الحوار الفلسطيني الجاري، لأنه يخفي الأساسي تحت الإجرائي. وفي التجربة الفلسطينية السابقة، ورغم الخلاف الشديد بين الظروف التي تعيشها الساحة السياسية اليوم، وما كانت تعيشه في السابق، وأعتقد أن هذا ينطبق على كل ساحة سياسية تعيش خلافاً وانقساماً حاداً، لا يمكن تجاوز الانقسام من دون تجاوز مسبباته الرئيسية، والخلاف السياسي الذي يتجنبه الطرفان، هو اللغم الأكبر الذي سيفجر الحوار الفلسطيني، إذا بقي تحت الطاولة، فهو الذي يجب أن يوضع على طاولة الحوار والباقي يأتي تباعاً.
() كاتب فلسطيني




















