ان فساد كل حكومة يبدأ دائما بفساد المبادىء
اذا كان المطلوب صيغة لحماية لبنان من الخطر الاسرائيلي بل حماية لبنان من كل المخاطر ايا كان مصدرها فإن هذه الصيغة هي عمليا استراتيجية سلام. لأن سلام لبنان هو حمايته الحقيقية وبالتالي دفاعه الحقيقي. ولان السلام وحده بإمكانه ان يكون الينبوع الحقيقي للانماء والعدالة. والسلام الحقيقي هو الذي يكون اكثر من غياب للنزاع. واذا كانت الحركة التفاوضية في المنطقة والحوارية في لبنان تصب في خانة منع الانفجار لا في خانة ابتداع الحلول الحقيقية كما اشار الى ذلك فخامة الرئيس أمين الجميل فالمطلوب جدية في اتجاه ابتداع الحلول. ومهما يكن من امر فان الصيغة "الاستراتيجية" بكل احوالها يجب ان تأخذ في الاعتبار حقائق وثوابت هي مفهوم السيادة والولاء والانتماء والاستقلال والمصلحة العامة والمطلوب حسم موضوع هذه المفاهيم فلا تبقى مبهمة ولا يجوز قطعا ان تبقى نسبية وبالتالي فاسدة.
وهنا في استراتيجية الحماية (الاستراتيجية الدفاعية) وفي معزل عن موضوع السلاح لا بد من توضيح ما يلي:
في الاستراتيجية
ان الاستراتيجية (قاموسا) هي فن جمع الوسائل المتاحة وتنسيقها وتشبيكها وتأهيلها لجعلها قابلة للتوظيف في خدمة هدف معين. من هنا فان تحديد الهدف يحتل مركز الشرط في مسألة بناء الاستراتيجية كما يمكن ان يلعب دور الملهم لواضعيها والمحرك لوسائلها والمحفز للمولجين بتنفيذها. من هنا يصبح تحديد الهدف من الاهمية بمكان وهو المدخل في هذا الموضوع.
في الدفاع
يقتضي الكلام عن الدفاع تحديد هدف الدفاع (الدفاع عن ماذا او عمّن؟) وتحديد آلية الدفاع ووسائله (الطرق والوسائل). باستطاعة الدولة ان تدافع عن سيادتها او مصالحها الوطنية (السيادة والمصلحة العامة) بطرق متعددة وذلك باظهار قوتها العسكرية (كدخول اسرائيل جنوب لبنان ولبنان) وهنا تكون "القوة القاسية" (hard power)، و أو بآليات تأثير اقتصادي او ثقافي او بنشر قواعد تصرفات وسياسات دون المرور بالقوة العسكرية وهنا تكون "القوة الناعمة" (soft power).
اذا كان الهدف من الاستراتيجية الدفاعية او مشروع الحماية "سلام لبنان" فان بقاء المفاهيم الاساسية، السيادة والولاء والانتماء والاستقلال والمصلحة العامة، نسبية قابلة للاجتهاد يبقي الازمة قائمة من جهة ويبعد امكانية وضع استراتيجية حماية. واذا كان الولاء، يترجم بفك الارتباط بالخارج وباحترام سلطة الدولة وبانهاء حالات الانفصال وبالتخلي عن السلاح غير الشرعي وبرفض عملي للتوطين وبنبذ التطرف وبالتآلف الحضاري، فإن الولاء والاستقلال والمصلحة العامة مفاهيم تتمحور حول السيادة.
أفكار في السيادة
1- السيادة هي صفة الدولة التي لا تخضع لأية قوة خارجية او داخلية. هي صفة الدولة التي لا تكون مجبرة على اتخاذ اي قرار، أي انها لا تقرر الا بارادتها الخاصة.
2- ان السيادة هي ارادة قبل ان تكون قانوناً ودستوراً وسيادة الشعب تستند على الارادة العامة. والارادة العامة هي ارادة الجميع وليس مجموع الارادات. والحرب هي فعل ارادة تهدف الى اجبار الخصم على تنفيذ ارادتنا. والسلم يأتي نتيجة عمل ارادة سيدة ايضا وان مصدر السيادة في النظام الديمقراطي هو الارادة المشتركة والدولة الديموقراطية لا تتكون الا برضى المواطنين.
3- يربط روسو في العقد الاجتماعي الارادة العامة بالحرية المدنية على أنها تأمين الامكانية لكل انسان ان يحصل على سعادته بطريقته الخاصة وبحماية من الارادة العامة وقوانينها. وقد ساوى بين الارادة العامة والسلطة شرط ان تتوافر المساواة والا تناقضا.
4- السيادة هي مجموعة السلطات او القدرات التي بوسع الدولة ممارستها. هذا ما يسمى قوة الدولة. هذه السلطات هي "اقامة العلاقات الخارجية، واقامة العدل، وادارة الاقتصاد والتربية، وتوزيع الثروات".
5- ان السيادة تتألف من وجهين:
أ- الوجه الداخلي: حيث تتمتع الدولة فيه بحق ممارسة التشريع على كل مكوناتها، اي اصدار القوانين والقرارات. وهذه مهمة قانونية تشريعية. وهي قوة الدولة. السيادة هنا ايضا هي قدرة اعطاء القوانين للجميع بشكل عام. ولكل واحد بشكل خاص. ان ممارسة هذه القوة المطلقة، التي هي في آن واحد سلطة شرعية وخضوع الشعب لهذه السلطة والتي لا تقبل اية منافسة تكمن في سلطة اصدار القوانين التي تفرض على الجميع والتي تطبق على كل المواطنين وعلى الارض كلها. ان مبدأ سيادة الامة كما يقول VEDEL يعني تخويل الدولة صاحبة السيادة اصدار القوانين. وصاحب هذا الحق هو الامة.
ان الافراد والجماعات يجب ان يخضعوا لقانون مشترك لانه ينبع من السلطة الشرعية، والشرعية هي احترام القانون وهي التعبير عن السيادة الوطنية. ان شرعية الدولة تكمن في ما يسمى القانون غير المكتوب للسيادة الوطنية وان مواد هذا القانون هي وحدة الارض وعدم خضوع الارادة الوطنية لارادة خارجية.
ب- الوجه الخارجي: وهو حق الدولة باقامة علاقات مباشرة مع الدول الاخرى والتعاطي معها على قدم المساواة. ولقد اقرت لجنة خاصة في الامم المتحدة ميثاق المساواة في السيادة عام 1966 تمحور حول المساواة القانونية، وعلى ان كل الدول تتمتع بالمساواة بالسيادة ولها حقوق وواجبات متساوية. وهي اعضاء في المجموعة الدولية بالرغم من الفروقات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية وغيرها.
6- ان هذه المساواة بين الدول هي التعبير عن الاستقلال غير ان ميثاق الامم المتحدة يقترن بوجود قوى عظمى ويعطي بعضا منها حق الفيتو.
من اين تستمد الدولة السيادة او السلطات؟
ان دساتير الدول تجيب على هذا السؤال بأن مصدر السيادة هو الأمة وان مبدأ سيادة الأمة ومبدأ سيادة الشعب قد اصبح اساس الحكم في جميع البلدان الديموقراطية واصبحت السيادة والديموقراطية كلمتين بمعنى واحد.
نصت معظم الدساتير على مبدأ سيادة الامة بغض النظر عن طبيعة نظامها السياسي ومعتقدها. في حزيران 1789 اطلق ممثلو العامة في فرنسا على انفسهم اسم الجمعية الوطنية وجعلوا مبدأ سيادة الامة قاعدة لعملهم واعلنوا انهم مكلفون بتمثيل ارادة الأمة. وفي آب 1789 صدر اعلان حقوق الانسان والمواطن ونص في المادة (3) منه على ان مبدأ السيادة يتركز في الامة ونص في المادة (6) على ان القانون هو التعبير عن ارادة الامة.
وكذلك نصت دساتير المانيا وايطاليا وغيرها من دول متعددة في اوروبا على ان مصدر السلطات الأمة وان السيادة يمارسها الشعب بانتخاب ممثليه.
اما بالنسبة الى لبنان: فقد اشارت مقدمة الدستور في موضوع السيادة الى ان لبنان وطن سيد حر مستقل (وعامل في جامعة الدول العربية وملتزم مواثيقها كما هو عضو مؤسس وعامل في منظمة الامم المتحدة وملتزم مواثيقها والاعلان العالمي لحقوق الانسان). وتجسد الدولة هذه المبادىء في جميع الحقول والمجالات دون استثناء ثم ان الشعب مصدر السلطات وصاحب السيادة يمارسها عبر المؤسسات الدستورية. وان لا شرعية لاي سلطة تناقض ميثاق العيش المشترك. واشار الدستور في مادته الاولى الى ان لبنان دولة مستقلة ذات وحدة لا تتجزأ وسيادة تامة.
من يملك السيادة؟
بعد نظرية الحق الالهي القائلة بان الله وحده يمتلك السيادة ويعطي هذه السلطة الى حاكم ملك والذي يصبح الناطق باسمه ادخلت الثورة الفرنسية على مفهوم السيادة بعدا ديموقراطيا. فاصبح صاحب السيادة الأمة او الشعب واصبح من الأهمية بمكان التفريق بين السيادة الشعبية اي سيادة الشعب والسيادة الوطنية اي سيادة الامة. والسيادة الشعبية نظرية وسعها روسو وهي تعمل من الشعب صاحب السيادة الشعب ككائن جماعي.
أ- ان الشعب هو صاحب السيادة ليس بسبب الاعلان عن ذلك بل بسبب الدستور نفسه والشعب ليس سيدا بالطبيعة بل نتيجة الدستور. وكون الشعب هو صاحب السيادة بسبب الدستور ينتج عن ذلك انه لا يستطيع ممارستها الا بموجب الدستور. قد استعملت كلمة شعب بالمعنى السياسي لاطلاق فكرة كيان جماعي وليس فكرة تعدد الافراد. ويظهر الشعب ككائن يتمتع بوحدة عضوية وله ارادة وهوية خاصتين.
ب- اما الأمة وتأسيسا على الرأي القائل بأنه ليس الشعب وحده هو الذي يصنع الامة بل الهدف المشترك، فقد عرف رينان الامة بأنها استفتاء يومي كتعبير عن رغبة بالعيش في جماعة والامة تبقى عنده مبدأ روحيا. وقام مفهوم الامة بعملية نشوء وارتقاء (والكلام عن الامة يستوجب بحثا خاصا به). ومهما يكن من امر فانه بامكاننا اليوم ان نطرح تعريفا نظريا للأمة وان نسعى ليكون تعريفا سياسيا لمجموع المواطنين الذين يشكلون سيادة او على الاقل اولئك الذين يطمحون لبناء سيادة.
مهما يكن من أمر اذا كانت الصراعات في العالم قد تراجعت 40 في المئة عما كانت عليه عام 1992 فلم يكن مفتاح ذلك عدد الذين الي تم قتلهم او تصفيتهم او الغاؤهم او اقصاؤهم. بل المفتاح الحقيقي هو عدد التحالفات والقيم والقواعد دون استعمال القوة العسكرية بل قوة هذه المبادىء والقواعد، وهنا تطرح معادلة بين الحرب كحق القوة والسلام كقوة الحق.
(أجزاء من مقالة أطول)
استاذ في الجامعة اللبنانية
امين عام حزب الكتائب اللبنانية
"النهار"




















