عبدالله اسكندر
بالتأكيد لن تستجيب حكومة بنيامين نتانياهو التي نالت الثقة امس دعوة القمة العربية في الدوحة الى تنفيذ الالتزامات الاسرائيلية التي تفرضها المرجعيات الدولية من اجل السلام في المنطقة. لا بل لا يمكن استبعاد الاسوأ من هذه الحكومة الائتلافية المتطرفة (ليكود، اسرائيل بيتنا، شاس) في شأن التعامل مع السلام والحقوق العربية، خصوصا الفلسطينية، نظرا الى تركيبتها وطبيعة القوى الفعلية فيها. ولن يكون وجود حزب العمل فيها عامل ضبط لجموحها الاستيطاني والمعادي للوجود العربي داخل الدولة العبرية وفي الاراضي الفلسطينية. اذ ان زعيم العمل المعروف بانتهازيته وتغيير جلده قد يعمد من موقعه كوزير للدفاع الى مغامرة عسكرية جديدة تعيد اليه ما فقده في الانتخابات الاخيرة.
ولن يخدع احدا الكلام العام الذي يقوله نتانياهو عن السلام ورغبته فيه او عن معاودة المفاوضات، سواء على المسار الفلسطيني او السوري. ولن يتوقع من هذه الحكومة اي خطوة فعلية او تنازل جدي لتسهيل عملية السلام. هذا اذا لم يطح سلوكها العدواني الهدوء العسكري الهش الحالي.
اذن، لمن تتوجه قمة الدوحة، عندما تكرر وضع مبادرة السلام العربية على الطاولة؟ لا يبدو ان الطرف الاسرائيلي هو المعني بهذه الرسالة. فهو لم يوافق عليها صراحة في السابق، ولن يقبل حاليا بها كسلة متكاملة لإحلال السلام. فالمبادرة العربية، في هذا المعنى، تعبير عن التصور العربي لعناصر السلام ومقوماته، كخيار استراتيجي، وليس دعوة تنتظر ردا ايجابيا من حكومة نتانياهو.
هذه الخطة التي تستند الى القرارات الدولية والارض في مقابل السلام، تدعمت في «بيان الدوحة» بتأكيد المرجعية الفلسطينية الحالية، وتاليا تأكيد المسار السلمي الذي اتخذته منظمة التحرير ومؤسساتها، بما يشكل دعما لنهج الالتزام الفلسطيني بالقرارات الدولية وشرعيتها. اي بما يجعل التصور العربي في صلب الشرعية الدولية وموجباتها. وهو التصور الذي ستواجهه حكومة نتانياهو بالرفض والتعنت.
في موازاة الايجابية العربية والسلبية الاسرائيلية من عملية السلام، يتبلور في العالم، خصوصا القوى الداعمة للدولة العبرية تقليديا، نهج جديد يميل للمرة الاولى نحو الايجابية العربية ويحذر من السلبية الاسرائيلية. هذا ما عبرت عنه ادارة الرئيس باراك اوباما، وما بدأت اوروبا بالتشديد عليه: التمسك بمفهوم الدولتين والسلام في مقابل الارض.
بكلام آخر، باتت للعرب، وربما للمرة الاولى في تاريخ النزاع، آلية واضحة للحل السلمي، وباتت لديهم قواسم مشتركة مع القوى الفاعلة في العالم من اجل تحقيق هذا الحل. في حين ان اسرائيل تقف في الوجهة المناقضة لهذا التوجه. وفي الوقت الذي يستطيع العرب ان يتحدثوا بلغة بدأ العالم يتفهمها، تجد اسرائيل نفسها تتحث بلغة لم تعد تلقى الفهم في العالم. ما يتيح للعرب ان يستفيدوا من هذه الديناميكية الديبلوماسية الجديدة القادرة على استقطاب التأييد والدعم، فيما تبدو لغة الحكومة الاسرائيلية عاجزة عن مخاطبة العالم. مع ما يعنيه ذلك من كسب سياسي للعرب وخسارة لاسرائيل.
واذا اخذنا في الاعتبار ان الولايات المتحدة والاتحاد الاوروبي باشرا خطوات تحذيرية لإسرائيل من مغبة التعنت والتصلب في ملف السلام، يمكن توقع ان تكون ايام حكومة نتانياهو صعبة على الصعيد الخارجي. وسينعكس ذلك على علاقات العالم مع الدولة العبرية، بما يجعل الخيار الانتخابي الحالي للاسرائيليين قابلا لإعادة النظر. وقد لا تكمل هذه الحكومة فترة انتدابها، ليس فقط بسبب تركيبتها الهشة، وانما ايضا بسبب سياستها المتعارضة مع المناخ الجديد في العالم، وما ينطوي عليه ذلك من انعكاس على الاسرائيليين الذين يتجهون الى اليمين والتطرف في مناخات المواجهة (كما حصل في الانتخابات الاخيرة) والى السلام والتعايش مع العرب (كما حصل عندما انتخبوا اسحق رابين)




















