(المستقبل -)
في كتابه " الحرب التي كان يمكن تفاديها" شدد الجنرال الألماني "هاينتس لوكفاي" الذي عمل في كوسوفو ضمن بعثة "منظمة الأمن والتعاون الأوروبي(OSZE ) بأنه لم يكن هناك قبل اندلاع الحرب خطر "كارثة إنسانية" بالمعنى القانوني الدولي، الأمر الذي يستتبع تدخلاً عسكرياً لمنع وقوعها. بالإضافة الى ذلك لم يكلف مجلس الأمن الدولي أياً من الدول أو المنظمات بالتدخل العسكري للحيلولة دون وقوع هذه "الكارثة الإنسانية". من هنا فإن الحرب التى شنها الحلف الأطلسي ضد الدولة اليوغسلافية ذات السيادة لم يتوفر لها أي تغطية في القانون الدولي، وباتت عدواناً سافراً شنته قوات الحلف. وحلت بذلك قيادة هذا الحلف محل مجلس الأمن الدولي في الفصل في مسائل الحرب والسلم. وكان هذا أخطر ما رمزت له هذه الحرب مشكلة بذلك حقلاً لتجربة النظرية الجديدة لسياسة الحلف والتي أُعد ورُوّج لها بعد انهيار الاتحاد السوفييتي، وأُعلن عنها رسمياً في الاحتفال الخمسين لذكرى تأسيس الحلف، الذي أقيم في واشنطن في 24 و25 نيسان 1999: "التدخل لضمان أمن واستقرار المجال الأوروبي- الأطلسي، بغض النظر عن تحديدات القانون الدولي وقرارات مجلس الأمن … "
في أذار 1999 انضمت رسمياً إلى حلف شمال الأطلسي كل من هنغاريا وتشيكيا وبولونيا، بعد سنوات من المناورات العسكرية المشتركة والتعاون في الإنتاج العسكري. وبذلك بدأ تمدد الحلف شرقاً في المجال الحيوي الروسي. ولم يعد مسموحاً لقيادة الدولة اليوغسلافية أن تتحدى الإرادة الأميركية الأطلسية ومخططاتها في أوروبا. إن مصداقية وهيبة القيادة الأميركية المصرة على تحديد اتجاه التطور عالمياً بمفردها لم يترك مجالا للتدخل الجدي لإيجاد حل سلمي للنزاع الإثني السياسي في إقليم كوسوفو: لا من قبل الأمم المتحدة ولا منظمة الأمن والتعاون الأووربي ولا من قبل روسيا التي كانت عضواً في مجموعة الاتصال الدولية للبلقان. كما كان للاتحاد الأوروبي القدرات الواسعة ووسائل الضغط العديدة للتأثير على الأطراف المتنازعة لوضع حد للحرب الأهلية والسيطرة عليها دون اللجوء للعمل الحربي المدمر.
إن قيادة حلف شمال الأطلسي منطلقة من مصالح الولايات المتحدة الأميركية دفعت ومنذ البدء للتخطيط والإعداد والتهديد المستمر، وأخيراً إلى تنفيذ هذه الحرب… ومنذ ذاك التاريخ باتت الحرب إحدى وسائل السياسة الدولية لتأمين المصالح من فوق وخارج محددات القانون الدولي، مما يهدد دور الأمم المتحدة ووجودها.
الحرب: من "كارثة إنسانية"
إلى كارثة سياسية
لم يمنع القصف الجوي المتواصل استمرار المواجهات العسكرية على أرض كوسوفو بين أجهزة الدولة اليوغسلافية وقوات العصابات الألبانية المسلحة( UCK) (جيش تحرير كوسوفو). وبعد أن وضعت الحرب أوزارها بات الانقسام الإثني ـ السياسي أكثر عمقاً على أرض إقليم كوسوفو اليوغسلافي، كما تحدده الأمم المتحدة بقرار 1244 حتى هذه اللحظة. وأتى إعلان دولة كوسوفو في شباط 2008 من طرف واحد "تعبيراً عن مصالح الولايات المتحدة فقط"، كما يقول المستشار الألماني السابق "غيرهارد شرودر". لم يحظ هذا الإعلان بتأييد سوى 54 من أصل 192 دولة عضواً في الأمم المتحدة. ومن بين من يرفض الاعتراف باستقلال الإقليم دول أوروبية أطلسية مثل إسبانيا واليونان ورومانيا وسلوفاكيا، وكذلك قبرص.
وعلى الأرض تحول إقليم كوسوفو إلى مستعمرة لحلف شمال الأطلسي يدير شؤونها بين 30 ألف إلى 40 ألف جندي وإداري من خمسين دولة مختلفة وتحت مسميات متعددة:( UNMIK) و(( EULEX و( ICO) و (US AID) إلى جانب العشرات من منظمات المجتمع المدني. وتتمركز الفرقة الأميركية المسلحة (1500 جندي ) في معسكر( Bondsteel) التي تشكل حجر الرحى مع معسكرات قوات الأطلسي في بلغاريا ورومانيا لعمل الحلف بين أوروبا والشرق الأوسط والقوقاز.
واقتصادياً يعتبر فصل الإقليم عن الوطن الأم ضرباً من الوهم : فالإنتاج الصناعي تراجع الى ثلث ما كان عليه في عام 1989، وتراجع كثيراً إنتاج وتوفير الطاقة. ونمت كافة أشكال الفساد الإداري والرشوة وضروب الجريمة من الاتجار بالمخدرات والسلاح والرقيق الأبيض. وتبلغ نسبة البطالة راهناً أربعين بالمئة، وتدنى الراتب التقاعدي إلى 65 دولاراً أميركياً شهرياً. وبات على 15 بالمئة من السكان (وبخاصة في الريف) تدبير حياتهم اليومية بأقل من دولار أميركي واحد. وبالإضافة الى هذه المأساة الاقتصادية الاجتماعية فإن الاستقلال السياسي للإقليم بات مهدداً. فالمجتمع الدولي يعول اليوم كثيراً على التعاطي مع القيادة اليوغسلافية الليبرالية الراهنة. وعبر عن ذلك مؤخراً قرار الجمعية العمومية للأمم المتحدة في 8 تشرين الأول الذي أحال بأغلبية 77 صوتاً أمر البت النهائي باستقلال كوسوفو إلى محكمة لاهاي الدولية في موعد أقصاه 2010. وبينما امتنعت دول الاتحاد الأوروبي عن التصويت عارضت هذا القرار إلى جانب الولايات المتحدة وألبانيا أربع دول أخرى فقط.
() كاتب لبناني مقيم في برلين




















