الحياة – 01/04/09//
1
لم يسقط حرف الضاد من العنوان أعلاه، فالمعنى هنا صراع الحارات وليس صراع الحضارات. والحارات إلى ما قبل أربعين أو خمسين عاماً، كانت في موروثنا الشعبي بمثابة الحضارات، ما قبل العولمة. لم يكن يعرف الناس إذّاك شيئاً ذا بال عن الحضارات نفسها، فكيف بمعرفة صراع الحضارات؟!
ببساطة، كانت الحارة هي الحضارة. ولذا كان يمكن الحديث عن حوار الحارات وتحالف الحارات وصراع الحارات. وكان المحرك في ذلك كله هو السعي للهيمنة على العالم.. عالم القرية أو البلدة المنظور.
لم يتحول الناس من صراع الحارات إلى صراع الحضارات إلا بسبب انبعاج الشهوات والطموحات بين المتنفذين من عمدة الحارة إلى عمدة العالم الحرّ !
2
«… كانت تلك من بقايا صراع الحارات». هكذا يصف الكاتب السعودي عبدالله بن بخيت أحد مشاهد الاقتتال الصعلوكي في إحدى الحارات المطلة على (شارع العطايف)، اسم روايته الصادرة حديثاً.
شكلت هذه الرواية، منذ صدورها الشهر الماضي، وما زالت مرتعاً خصباً للجدل المتفاقم بين الليبراليين والمحافظين. فالرواية حظيت بأروع المدائح وأقذع الشتائم في آن، والراوي والرواية هما أكثر المستفيدين من هذا الفصام النقدي، فهذا التضاد هو أسرع وأنجز طرق التسويق والترويج.
لم أفاجأ، كما فوجئ آخرون، بالمستوى الاحترافي الذي صُنعت به الرواية فنياً، فقد كنت دوماً مؤمناً بأن عبدالله بن بخيت من أكثر الكتّاب السعوديين احترافية ومهنية في كتاباته، وذلك خصيصاً من خلال عموده الشهير «يارا». وكنت من القدرة بأن أفصل في التقييم بين الأسلوب والمضمون، فليس كل من راقتني أفكاره راقني أسلوبه.. وليس كل من ساءتني أفكاره ساءني أسلوبه. ولا أعني هنا أنني ممن تسوؤهم أفكار بن بخيت دوماً، لكنني ممن يختلفون معه أحياناً، رغم الزمالة والصداقة المستمرة.
3
في كل مجتمع بشري جانب مظلم وجانب مضيء، ساعة حزن وساعة فرح. الأدب البارع هو الذي يلتقط الجانب المظلم والحزين والمخيف. الجانب المضيء لا يحتاج إلى ضوء الأدب! والناس لا يُظهرون أمام كاميرات المجتمع سوى الجانب المضيء من وجوههم، أما مناطق البثور فتكون عند حضور الفلاشات في النصف المظلم من وجه القمر!
والأدب الناجح، شعراً ورواية، ليس هو ذلك الذي يتناول السيرة الذاتية لــ «السيد عادي»، فهذه حكاية يراها البشر، أو يسمعونها على الأقل كل يوم.
الأدب يقتات على المآسي، وقصة الحب التي تنتهي بالزواج لا يمكن أن تصنع منها رواية أو قصيدة. ملايين البشر أحبوا بعضهم حباً يفوق حب عنترة وقيس وعبلة وجولييت، ولكن لا أحد يعرف عنهم شيئاً لأنهم تحابوا ثم تزوجوا. ما الذي بقي للأدب كي يقوله عن اثنين مضت حياتهم على ما يرام؟!
هنا يكمن الفرق بين التاريخ والأدب، بين السيرة والرواية. ولذا فالأدب الإسلامي ليس له حظ كبير من النجاح، لأنه محشو بالقيم التي تمثل الجانب المضيء في المجتمع، أو أنه بمصداقيته المثالية يروي حكايات ويوميات «السيد عادي».
4
(شارع العطايف) رواية تعرض الجانب المظلم في المجتمع.. صراع الحارات، سوق القيم، الوحدة الطبقية.
الذي يقرأ الرواية، من المثاليين، سيقول: يا ساتر! هل كان شارع العطايف وحلة ابن بخيت بكل تلك الدناءة والقذارة والانتهازية؟ وسأجيب بالنيابة: بأن الراوي ليس مطالباً بأن يعرض كل الأحداث وكل الشخوص خيرها وشرّها، وإلا تحوّل من روائي إلى مؤرخ. لكنه بخباثة الصنعة الأدبية سيعمد إلى إضاءة الجوانب المظلمة، كما قلنا، وإظهار الشخصيات والمواقف التي تستفز القارئ وتثير فضوله للتعرف على «المستخبّي»!
لكن رغم إدراكي لهذه المتطلبات الفنية للشغل الروائي، إلا أن عبدالله بن بخيت لم يستطع الانعتاق من تحيّزه الأيديولوجي مع تيار ضد تيار آخر. فهو يتحدث عن شذوذ وعربدة سعندي وفطيس وشنغافة وسويلم بمنتهى الأريحية وبلا تثريب، بينما هو يعرض شخصيات ابن وصار والشيخ سالم بمنتهى التشويه والانتقام. ومن حق الراوي أن ينحاز مع وضد شخوص الرواية، لكن ابن بخيت بالغ بدرجة مفتعلة في تدنيس المقدس من خلال تصويره المتكرر لمساجد الحارة بأنها الملاذ المناسب «إذا تفاقم الحب». كما جعل المقبرة دوماً مدفناً لغالونات العرق «يحرسه الموتى مجاناً»، أما «البار» الذي يتعاطى فيه الشلّة أنخاب العرق فهو غرفة حفّار القبور!
سيقول الصديق ابن بخيت لي: ألست الذي قلت قبل قليل أن الفن الأدبي هو إضاءة المظلم؟ هذا هو الجانب المظلم في المساجد والمقابر!
وسأقول: نعم، لو جاءت في حجمها المعقول وسياقها الطبيعي، من دون تكثيف مفتعل خارج سياق السرد العفوي.
5
(شارع العطايف) حبكة فنية رائعة، تشي بأن صراع الحضارات بدأ من صراع الحارات وسيعود إليه يوماً ما.. إذا شرب «شنغافة» وصحبه نخب العولمة!
* كاتب سعودي
ziadalhayat@hotmail.com




















