المستقبل –
فجأة وفي هذا الصباح البرليني، الذي اشرقت فيه الشمس بوضوح، رفع الرجل جذعه عن الكرسي الذي جلس عليه عند طاولة الإجتماعات الكبيرة التي إحتلت مساحة لا بأس بها من المكتب. لبرهة قصيرة استدار وتحرك خطوات قليلة، ليقطع مكتبه المزدحم بالأوراق والمخطوطات بشكل فوضوي. كل شيء يشير إلى أنه يبحث عن شيء ما أن يعثر عليه، حتى يقف هذه المرة أمام طاولة الكتابة الخاصة به، ليسحب من الجرار علبة اصباغ بنية اللون. يورن شوترومبف إسم الرجل الذي زرناه في ذلك الصباح، وهو قام بالتأكيد بعرض العلبة هذه أمام زواره السابقين. عندما رفع الغطاء الخفيف عنها أمامنا، ارتسمت على وجهه فجأة إبتسامة عريضة، إبتسامة غير المصدّق ما تراه عيناه، لكن أيضاً المليئة بالمرح في نفس الوقت، لأن ما يعيشه منذ فترة قصيرة (وهو ليس الوحيد بهذا الشعور)، يثير القهقهة عنده. ومن يسمعه يروي القصة، لا يسعه إلا أن يتفق معه ويقول، نعم من حقه أن يسخر مما يجري. في العلبة تلك توجد مخدة مصنوعة من القطيفة، إستقر تحتها وفي جراب مخملي كتابان أزرقان: الجزءان، الأول والثاني من كتاب رأس مال لكارل ماركس. يورن شوترومبف يرفع الغطاء بخفة ويجعله يسقط. "هذا ما كان الرفاق يهدونه لبعضهم البعض في الماضي"، يقول وهو يعني بالماضي دولة المانيا الديمقراطية، إنه "أمر مضحك، أليس كذلك!".
يقول السيد شوترومبف، إنه عثر على العلبة صدفة في مكان ما في المخزن، عندما إنتقل إلى الطابق الخامس من هذه البناية العالية، التي إحتلت طوابقها جميعاً ذات يوم مكاتب صحيفة الحزب الإشتراكي الموحد "ألمانيا الجديدة"! شوترومب، الذي إرتدى قميصاً أسود، بنطلوناً أسود، ونعلين بدون جوارب، والذي ذاعت شهرته منذ فترة ليست قصيرة، خصوصاً بعد ان تحول إلى الدليل الذي تزوره وسائل الإعلام، شوترومب هذا هو الناشر الوريث والإداري لتركة الفيلسوف الألماني الذي دوخ العالم: كارل ماركس، وهو حصل على هذا الإمتياز لأنه رئيس دار نشر كارل ديتز، التي كانت تعمل تحت إسم دار نشر ديتز في زمن ألمانيا الديموقراطية. في ذلك الوقت كان يعمل في دار النشر هذه 190 موظفاً، اليوم عنده زميلة واحدة تعمل في المكتب الجانبي. لكن، قبل كل شيء ما لديه رأس مال ثمين: كارل ماركس! بكلمة أدق عنده "الأعمال الكاملة لماركس وأنغلز"، بالضبط تلك الكتيبات الزرقاء اللون التي عرفناها نحن أيضاً في منطقتنا العربية، والتي كانت تأتي من دار التقدم في موسكو، والتي إذا كنا إعتدنا حفظها بشكل خفي في كارتونات تحت السرير، فإنها هنا كانت تصطف بشكل بارز وأنيق على ألواح مكتبات البيوت، يفتخر بحيازتها الطلاب و"الرفاق"، لكي يبينوا الأهمية أو المكانة إنها بكلمة واحدة: أعمال كلاسيكية كانت تؤكد في شرق ألمانيا على مصداقية إنتماء أصحابها للنظام "الشيوعي"، بينما منحت في الغرب المثقفين نوعاً من البريق، بل كانت دليلاً على الإنفتاح.
بهذه البضاعة يتاجر اليوم يورن شوترومب، وأين؟ في البناية العالية، التي يمكنه النظر منها الى "شارع كومونة باريس"، هذا البناء الكونكريتي المسلح لألمانيا الديمقراطية القديمة والذي يصب في شارع الإستعراضات العريض الذي أطلق عليه "كارل ماركس أليه"، والذي سُمي ذات يوم أيضاً: شارع ستالين! في الوقت الحاضر تعود ملكية دار النشر إلى جمعية خيرية قريبة من جمعية روزا لوكسمبورغ الخيرية (التي يشرف عليها حزب اليسار "الشيوعي" الألماني). كل شيء معقد، يقول شوترومب. وبهذا الشكل يوزع الناشر شوترومب "قناعات مطبوعة على الورق"، من غير المهم، أنها ليست بالضرورة قناعاته دائماً.
لوقت طويل بدا الأمر كما لو أن "القناعات" هذه لم تكن قابلة للبيع؛ لكن اليوم إختلف الأمر فجأة، كما يقول شوترومب، وهو يتحدث عن دار نشره وبرنامجها: "كنا نعتقد بأن القرن العشرين إنتهى وولىّ. كنا نعتقد، بأننا لا نملك شيئاً له علاقة بالحاضر". تلك هي جملة صادقة تقريباً. وهو نفسه، شخصياً، بلحيته التي تشبه لحية كارل ماركس وبالجسم الضخم المربوع، يبدو كأنه قادم بالفعل من زمن آخر، ولا ينتمي للوقت الحاضر. لكنه عندما فجأة يجلس أمام الكومبيوتر، ويشغل الجهاز الألكتروني، ويدخل على برنامج مجهزي كتبه، يقوم بتحويل قصة "الرأسمال" (هذه التي ظن الجميع أنها اصبحت في عداد الماضي)، وعن طريق ضغطة صغيرة على الفأرة، إلى الزمن الحاضر.
على شاشة الكومبيوتر تظهر الأرقام التي لم يعتقد شوترومب نفسه ذات يوم بأنه سيراها يوماً. في مايو / آيار 2008 باع ثلاثة أضعاف من نسخ الكتاب أكثر مما باعه العام الماضي في الشهر نفسه. هذا هو الرقم القياسي الجديد بالنسبة له. ولحسن الحظ كان متهيئاً بشكل ما لما حدث، لأنه عرف في نهاية عام 2007، بأنه باع في تلك الأيام عدداً مضاعفاً من أعمال ماركس. الآن الأمر ليس بالشكل الذي يمكنه أن يقول، أن كارل ماركس تطور إلى أحد كتّاب البيست سيلير. في حالة كتاب الرأسمال يمكن الحديث عن عملية بيع لها علاقة بما يُطلق عليه "لونغ سيلير"، وتضم القئمة هذه طائفة كبيرة من الكتّاب الكلاسيكيين الدائمي البيع. طبعاً تأمل دار النشر في الوقت الحاضر تحسين وضعها من الناحية الإقتصادية وأن تبيع أكثر من كتبها غير الأدبية التي تتناول قضايا شعبية عامة، خصوصاً تلك التي لها علاقة بتاريخ مدينة برلين. لكن الأمر مدهش بالنسبة له، فحتى خمس سنوات مرت لم يستطع السيد شوترومب بيع أكثر من بضع مئات من كتاب ماركس، واليوم؟ 1500 نسخة وأكثر خلال عام واحد.
"ماركس هو الصرعة من جديد"، يقول شوترومب، وهو لا يقول ذلك بسعادة، كما تعلن نبرة صوته. السبب؟ أولاً لأنه هو نفسه لا ينتمي إلى طائفة أولئك الذين يقعون في غواية الصرعات الجديدة الطارئة، وثانياً، لأن مؤرخاً مثله يعرف بأن الصرعات تنتهي بسرعة: "تلك هي ميزتها". ربما لا يحب السباحة مع التيار، لكن أن يجد نفسه في هذه الأيام في المشهد، هذا ما لم يتصوره قبل الآن. أنه يطلق على ذلك، "موجة التسييس" التي إجتاحت البلاد فجأة، وأنه لا يحب النطق بإسم الرجل الذي كان وراء ذلك في ألمانيا. لكن رجل مثل السياسي الألماني "أوسكار لافونتين" (سياسي غوغائي كان رئيساً للحزب الإشتراكي الديموقراطي قبل أن يصبح رئيساً لحزب اليسار "الشيوعي) "له القدرة على إثارة زوبعة، على الأقل لتحريك مياه آسنة صغيرة"، أمر واضح له. وهذا ما يجعل "رأس مال" يُباع من جديد في غرب ألمانيا.
لكن القضية أكثر من إنتصار مستعاد لكتاب، ينعكس في الأرقام على شاشة كومبيوتره. الناشر يعتقد رغم ذلك، بأن العديد من الناس يريدون اليوم أن يعرفوا مجدداً، كيف تعمل الرأسمالية، أو على الأقل " كيف تعمل بالطريقة التي أوضحها كارل ماركس". إنهم يريدون أن يعرفوا ذلك، "منذ أن كفت الرأسمالية هذه عن أن تجعل أغلبية الناس أغنياء، منذ أن جعلتهم أكثر فقراً"، هذا يعني أن السؤال الأكاديمي أصبح سؤالاً واقعياً: "سابقاً، يقول شوترومب، "كان يُباع كتاب الرأسمال في شهري آذار وتشرين الأول أكثر من بقية الشهور، الطلاب يسارعون لشراء الكتاب مع بداية الفصل الدراسي لفصل الصيف ولفصل الشتاء. اليوم الطلب على الكتاب يحدث طوال العام، وليس من قبل الطلاب فقط". بالإمكان الآن توضيح نجاح الكتاب في أيامنا هذه من جملة موجودة أصلاً فيه: "فائدة سلعة ما تصنعها قيمة إستعمالها"، كما كتب كارل ماركس. "رأس مال" هو دليل صغير، يساعد في البحث الكبير عن المغزى الملتبس للأمور، ربما بالضبط هو هذا السبب الذي يكمن في نجاحه.
وما يدعو للمفارقة، أن التطور الجديد الحاصل هذا خلال أيامنا يسبب القليل من القلق بالنسبة للسيد شوترومب. ليس قلقاً سياسياً، إنما هو قلق إقتصادي. إنه يخشى الإتصالات التلفونية القادمة من مخازن توزيع الكتاب، يخشى أن يبلغه أحد العاملين هناك: "الرأسمال نفد". صحيح أن الموزع يعني بذلك الكتاب، لكن الأمر سيعني بالنسبة لشوترومب: عليه أن يفكر بالفلوس فوراً. "الكتاب هذا هو عدوي المخيف"، يقول السيد شوترومب. قد يبدو هذا مفاجئاً قليلاً، لكن من السهل توضيحه: من أجل إصدار طبعة جديدة من الكتاب، على دار الناشر دفع مبلغ كبير، ثم أن الكتاب لا يجلب الكثير من الربح، لأن سعره 20 يورو تقريباً، نعم من غير الممكن أن يرتفع عن هذا السعر، رغم أنه كتاب سميك، ثقيل، غلافه سميك وفيه شريط مذهب. شوترومب يعرف، بأنه يستطيع أن يلبي طلب السوق لوقت طويل آخر. لكن في مستقبل قريب سيجد نفسه أمام الأمر الواقع، في هذه الحالة، عليه أن يكلف المطبعة بطباعة نسخ جديدة. المطبعة التي سيتصل بها، تقع في بلاد التشيك. "طباعة الرأس مال في ألمانيا، لا يمكنني إنجازها"، يقول شوترومب. إنه يقول ذلك بإرتياح. ومن يتاجر بالبضاعة، يعرف الحقائق تلك، منذ زمن الألماني..الملتحي: كارل ماركس.




















