وضعت الحكومة الاسرائيلية الجديدة برئاسة رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو وتحالفه مع احزاب اليمين "اسرائيل بيتنا " و"شاس" و"يهودوت هاتوراه" وحزب العمل المنطقة امام تحديات خطيرة، وامام اكثر من سيناريو وفي القلب منها اقناع العالم بخطر ايران نووية واعتبار ذلك اولوية تتقدم أي قضية اخرى من نوع "السلام "مع الفلسطينيين والعرب. وبذلك تصير احتمالات المراوحة من دون تقدم نحو اي حل سياسي لانهاء الاحتلال واقامة دولة فلسطينية الى جانب دولة اسرائيل، هي السمة الغالبة للوضع الحالي بين الفلسطينيين والاسرائيليين، حيث لا تقتصر المراوحة على جمود بل قد يتعداها الى مواجهات والى دورة جديدة من العنف تجد تعبيراتها في الزحف الاستيطاني الى قلب مدينة القدس المحتلة وفي الردود الفردية والشعبية على هذا الزحف، مثل قتل اسرائيلي بفأس في مستوطنة بات عين جنوب الضفة الغربية الجمعة وحادث الامس الذي ادعى الجيش الاسرائيلي ان فلسطينية هاجمت حاجزاً اسرائيلياً جنوب اسرائيل قبل اطلاق النار عليها وقتلها. ومن غير المعروف بعد ما اذا ما كان الرابط بين قتل الفتى الاسرائيلي في المستوطنة وتصريحات وزير الخارجية الاسرائيلي افيغدور ليبرمان عن عدم اعتراف اسرائيل بتفاهمات انابوليس هي من باب التزامن فحسب، ام انه سببي، علماً انه يمكن نظريا ايجاد رابط سببي بين كل اعمال تتعرض لاسرائيليين في الضفة الغربية باعتبارها مقاومة للاحتلال بصرف النظر عن تاثيرها وجدواها وما اذا كان توقيتها مناسبا ام لا.
حكومة نتنياهو لم تبدا عملها بعد، ولم تستقر على نهج واضح بالنسبة الى الفلسطينيين، مع ان رئيسها تحدث صراحة عن نيته اطلاق مفاوضات سياسية من دون ان يحدد اهدافا واضحة لهذه المفاوضات سوى رفع مستوى معيشة الفلسطينيين واقتراحه تشغيل 25 مشروعا اقتصاديا في الضفة الغربية وترك مفاوضات الوضع النهائي جانبا والتفرغ لتأسيس واقع اقتصادي وأمني جديد في الضفة بالتعاون مع السلطة الفلسطينية.
وثمة حديث آخر في الصحف العبرية عن نية نتنياهو بلورة سياسة عامة حيال الفلسطينيين لا تصطدم مع احزاب اليمين المكونة للائتلاف مع الادارة الاميركية التي تنادي علناً بحل الدولتين. وبين هذين الخطين عبر ليبرمان عن سعيه الى الالتفاف على المطلب الدولي بحل الدولتين من طريق اقتراح خطة "خريطة الطريق" الدولية بشروط اسرائيل السابقة اي عدم التقدم نحو حل الدولتين الوارد في الخريطة قبل التزام الفلسطينيين المطلق بالتخلي عن "الارهاب". وبناء على ذلك لا يمكن التقدم الى اي مكان من هذه الخريطة الا المراوحة في المكان وتحويل الخريطة من اداة الى عائق امام حل الدولتين. مع ان حكومة رئيس الوزراء السابق ايهود اولمرت تجاوزت هذه العقدة، ومشت بعيدا في هذا الدرب لكنها لم تصل. وما كان لها ان تصل مع ارادتها اللينة لتصفية الاحتلال في الضفة الغربية، ومع وجود ادارة اميركية كان يسيطر عليها "المحافظون الجدد" الاكثر ميلا الى تكريس الاحتلال من بعض الاحزاب الاسرائيلية نفسها. واليوم توجد ادارة جديدة مستعدة للاستماع الى اي حكومة اسرائيلية، لكنها لديها سياسة علنية واضحة قبل ان تستمع وتقرر ما اذا كان التقدم نحو حل الدولتين يحتاج الى اكثر من التصريحات وتعيين مبعوثين دائمين لتنفيذ هذه السياسات.
في كل الاحوال، قال نتنياهو ان اسرائيل "لا تريد ان تحكم الفلسطينيين" بل تتطلع الى "تحقيق سلام كامل مع كل العالم العربي والاسلامي"، والصحف الاسرائيلية قالت ان نتنياهو سيقوم في الاسابيع المقبلة بـ "اعادة تقويم للوضع السياسي الاسرائيلي حيال الفلسطينيين". ومن المتوقع ان "يبلور ويقترح خطة اقتصادية – سياسية كبيرة للمفاوضات والتعاون في اطار سلسلة تسويات بيننا وبينهم". وهو ابلغ ذلك الى مبعوث الرئيس الاميركي الى الشرق الاوسط جورج ميتشل. فهل يستطيع نتنياهو صد التوجه الاميركي الى تحقيق حل الدولتين مع الفلسطينيين؟
هناك محاولات اسرائيلية في هذا الاتجاه تستند الى تغيير الاولويات من رام الله الى طهران. نتنياهو سيحاول في زيارته المقبلة لواشنطن ولقائه المزمع في ايار مع الرئيس الاميركي اقناع اوباما بان العقوبات الدولية على طهران لن تفيد اميركا واوروبا ولن تعفيهما من دفع ثمن الاخطار النووية لايران. واسرائيل تستطيع ازالة هذا التهديد. فلماذا لا تشتري واشنطن هذه البضاعة في مقابل ازالة حل الدولتين عن الاجندة؟ اكثر من ذلك، اذا كانت لدى اميركا واوروبا قدرة على الصبر واستبدال ازالة التهديد النووي الايراني بتأخيره، فلماذا لا تكون لديهما القدرة ذاتها من الصبر لتأخير حل الدولتين مع المكافأة بالوعود الاقتصادية والمفاوضات حيال التسوية الدائمة؟
كلام ليبرمان على انابوليس وخريطة الطريق لم يحد عن هذا الخط. وهي الرسالة الاهم في ائتلاف اليمين الذي يقف خلف نتنياهو وحكومته.
رام الله – من محمد هواش
النهار




















