حازم صاغية
هل انتهت البوشيّة في السياسة الأميركيّة وفي سياسات العالم؟
واضح أن الركنين الأساسيّين للإدارة السابقة، فكراً وسلوكاً، يتهاويان ويتصدّعان: فـ «الحرب على الإرهاب» طويت صفحتها وصولاً إلى التعريف نفسه، على ما قالت وزيرة الخارجيّة هيلاري كلينتون، وكذلك «إجماع واشنطن» على الحريّة المطلقة لأسواق المال والتبادل، والذي نعاه باراك أوباما في قمّة لندن الأخيرة.
وفي هذا ثمّة إشارات تنمّ عن راديكاليّة في الانعطاف من إدارة إلى أخرى، تعادل الراديكاليّة التي وسمت انعطاف رونالد ريغان عن سابقيه، وقد تفوقها.
لكنّ الأمر ليس مجرّد إسقاط «سلبيّ» للبوشيّة، بل هو أيضاً مساهمة «إيجابيّة» تقدم عليها الإدارة الجديدة: ففي الميدان الاقتصاديّ يُستكمل نزع «إجماع واشنطن» بتزويده أنياباً وأسناناً، أي بتوجّهات عبّرت عنها قمة مجموعة العشرين يمكن وصفها بإطلاق عولمة سياسيّة تواكب العولمة الاقتصاديّة وتشرف على عملها من خلال أدوات تنفيذيّة محدّدة. يصحّ هذا في توسيع قاعدة القرار وصناعته بحيث تشمل بلداناً كالصين والهند والبرازيل، كما في تعزيز قدرات صندوق النقد الدوليّ وسلطاته، فضلاً عن مكافحة الملاذات الضريبيّة وضبط العلاوات المتضخّمة وكسر الاحتكار الأوروبيّ للمناصب العليا في المنظّمات الدوليّة.
أما سياسيّاً، فالأمور تبدو أعقد إذ ينتظمها ميل الى إرفاق العولمة الاقتصاديّة بعولمة أمنيّة، وهو الهمّ الذي دلّ إليه تعديل الاستراتيجيّة المتّبعة في صدد باكستان وأفغانستان. وفي هذا الإطار تندرج إعادة تركيز السياسة الدوليّة على واقع الدول والتنسيق في ما بينها. وهو فحوى التوجّه المزدوج والمترابط الى كلّ من روسيا وإيران، حيث بات واضحاً أن الموقف الأميركيّ من نشر الدرع الصاروخيّة في أوروبا الوسطى لا ينفصل عن الموقف الروسيّ من الاحتمال النوويّ الإيرانيّ. كما أن النظر الى العالم الإسلاميّ لا ينفصل عن النظر الى أوروبا، على ما تشي تزكية أوباما لعضويّة تركيا في الاتحاد الأوروبيّ بعد التوصّل الى رأب الصدع في ما خصّ علاقتها بقيادة الناتو. بيد أن الاعتراف بنفوذ الدول ودعوتها الى التنسيق بصفتها هذه تتمّته في الموقف الحاسم من العنصرين الأكثر تهديداً لأمن العالم، فضلاً عن عولمته. والمقصود تحديداً الإرهاب، لا سيّما في مسرحه الباكستانيّ – الأفغانيّ، والسلاح النوويّ الإيرانيّ أو الكوريّ الشماليّ. وإذا جاز وصف دعوة الرئيس الأميركيّ الى عالم خال من الأسلحة النوويّة بـ «حلم أوباما» (على غرار حلم مارتن لوثر كينغ)، بقي أن العولمة في معناها الفاضل والكريم مدعوّة الى إبقاء هذا الحلم يقظاً، خصوصاً في ظلّ مواجهة الآثار الأكثر سلبيّة للعولمة: تعاظم التفاوت وانتشار أسلحة الدمار الشامل وتقدّم الإرهاب الأصوليّ.
وفي هذا الشقّ لا يكفي أن يتغيّر إسم الرئيس الأميركيّ، على ما قال أوباما نفسه، مشدّداً على حجم التغيّر بذكره إسم والده «حسين». إذ الأمر رقصة تانغو يلزمها، كما يقال، طرفان. وما لم يتوافر الطرف الثاني فإنّ شيئاً من جورج بوش سيبقى حيّاً في الرئيس الحاليّ… رغماً عنه وعن رغباته.




















