إسمان تاريخيان يخطران في البال ممن ينطبق عليهم الوصف الهيغيلي للرجال الاستثنائيين الذين يصنعون التاريخ، وكأنهما كانا التمهيد التاريخي لتولي أوباما رئاسة الولايات المتحدة الاميركية، وجعلا ذلك ممكناً:
ابراهام لنكولن الرئيس الذي خاض حرب تحرير "العبيد" في اميركا اياها (وكانوا عبيداً فعلاً، ليس فقط باللون!) ونلسون مانديلا الذي احتمل السجن ربع قرن ليخلع عن افريقيا الجنوبية تسلّط "البيض" على أكثرية شعبه السوداء.
والوصف الهيغيلي الذي نتذكّره هو "الرجال التاريخيو العالمية"، أي ذوو الحجم التاريخي البحجم العالم، يتجاوز حجم الناس العاديين، فيؤمهم لصناعة التاريخ بل لتجاوزه… في الزمن الواقعي.
قياساً بهذا الوصف تتضاءل أهمية الأصوات، ولو لا سابقة أمام حجم ما هو متوقع ان يصنعه هؤلاء، أو ما صنعوه بالفعل، واستحقوا بسبب ذلك التصنيف الهيغيلي.
•••
بالنسبة إلينا في الشرق الأوسط والعالم العربي، أقل ما يمكن ان نتوقع أن يصنعه أمثال هؤلاء، وفي ما نحن في صدده تحديداً، هو خروج اميركا من العراق ولو لم يؤد ذلك الى اعادة تكوينه كما كان قبل المجازفة البوشية…
أما في فلسطين، فقد تكون سياسة أوباما تكريس القدس عاصمة لاسرائيل، ثم تأبيد أو محاولة تأبيد اسرائيل على حساب الشعب الفلسطيني الذي يكتفى بالاعتراف له بحقوقه "الانسانية"، أي كمثل ما يطلبون للاجئين في لبنان أو سوريا أو العراق… فحذار!.. وذلك ليس فقط بسبب حشد اوباما عدداً من الصهاينة بل الاسرائيليين بين مستشاريه وفي فريق عمله، بل على المستوى التاريخي نظراً إلى انطلاق رئاسة أوباما من تحالف اقليات داخل اميركا يحتل فيه اليهود مركز صدارة لم يحسن العرب الاميركان زعزعته (رغم صداقة رشيد الخالدي للرئيس المنتخب والتي جرى الحديث عنها وكأنها تهمة إرهابية، على رغم شخصية الدكتور خالدي ومكانته العلمية!!!). وربما حاول اللوبي اليهودي اعتبار انتخاب أوباما سابقة تمهّد لانتخاب رئيس يهودي لاميركا لأن تجاوز العقبة الدينية في نظرهم تهون قياساً بالعقبة العنصرية اللون.
ومن يدري، فقد يجيّر أوباما اللعبة "السطحية" الفرنسية – السورية – القطرية (؟) – الايرانية لحسابه ويجعلها قاعدة مشروع سلام للشرق الأوسط، بل قاعدة جبهة وهمية ضد الارهاب كانت طلائعها اغتيالات مغنية وسائر الذين يحيط "الابهام" باغتيالهم في سوريا…
واذذاك يكتمل الحلف "الموضوعي" بين هذه الجبهة واسرائيل (التي تستعد لانتخاب نتنياهو) وتركيا (الوسيطة النشيطة مع اسرائيل) وافغانستانٍ (تتوقف حربها فجأة) وباكستانٍ (تتوقف عن تصدير الارهابيين) الى آخره.
أما الصين واليابان والهند فتبقى على حدود "الشرق الاوسط الأميركي" الجديد، عنصر توازن مع أوروبا تحرس الروسيا عدم انحيازها الكلي الى اميركا.
•••
ويبقى لنا لبنانٌ لا وزن له في جبهة آسيوية الأحجام… وليس له دور في أوروبا غير الانضمام الرمزيّ الأهمية الى "اتحاد متوسطي". وربما اكتُفي له بجائزة ترضية هي السير في المحاكمة الدولية للاغتيالات التي يرجح ان تتوقف لا بسبب الأحكام بل لزوال الحاجة الى هذا النوع من الارهاب واقلاع أهله عن ممارسته!!!.
خلاص لبنان، مرة أخرى، في تماسكه ووحدته حول رسالة رؤيوية تعيد اختراع دوره الاقليمي ومبرر وجوده كي لا يتسنى مرة أخرى للحروب الاقليمية أن تنتقل الى "داخل" ملعبه وتتوسل أهله ومواطنيه جنوداً مجانيين، بل انتحاريين في سبيل ما ليس لهم، او ليس لهم منه أي نصيب ولا شأن لهم فيه.
•••
بداية طريق الخلاص ان يأخذ رئيس الجمهورية جدياً حوار الأديان والحضارات الذي يشترك فيه في إطار الأمم المتحدة، بدعوة من السعودية – ويرتفع بدوره الى المرتبة "التاريخية العالمية" فيقترح تحويل لبنان الى المختبر العالمي لهذا الحوار الكياني – وهو هذا واقع الأمر في لبنان – يحصّنه حياد ايجابي مضمون دولياً ومنزوع كل أنواع السلاح، حتى ولو اقتضى الأمر تطوير نظامه وحجمه ومحالفاته…
وتستمر "حالة الحرب" مع اسرائيل، انما ترعاها هدنة لها أسنان وأظافر تجعلها نافذة، مضمونة التنفيذ في اسرائيل.
ترى، ألم يحن أوان ذلك بعد منذ 1920، وقد تبدلت وتغيرت اسماء واحجام وأنظمة معظم الدول المثلنا اقتطعت من الامبراطورية العثمانية؟ أم يجب أن ننتظر حرباً عالمية أخرى تورثنا ذلك؟
… إلاّ إذا كانت المتغيّرات الاقليمية المرتقبة في حجم الحرب – وبمثابتها!
"النهار"




















