لا أحد يستطيع التكهن بما قد يتضمنه خطاب الرئيس الاميركي باراك اوباما في القاهرة في الرابع من حزيران عشية مرور اثنين واربعين عاماً على النكبة الثانية للعرب في 5 حزيران 1967.
يبدو ان الرئيس اوباما بعد اجتماعاته مع بنيامين نتنياهو ووزير الخارجية المصري محمد ابو الغيط ورئيس السلطة الوطنية الفلسطينية محمود عباس وقبلها مع العاهل الاردني الملك عبدالله الثاني اصبح يدرك ان مضمون خطابه لن يشكل اختراقاً كما كان متوقعاً، بل سيكون تعديلاً لا اكثر، فسيستمر في المطالبة بوقف عمليات الاستيطان واستعجاله التجاوب من خلال مطالبة العرب اجمالا بتوفير حوافز تلين المعاندة الاسرائيلية الشرسة، مثل الاجازة لاسرائيل بفتح مكاتب تجارية وابداء الاستعداد لاقامة علاقات معها من اجل "طمأنتها" الى امنها. كما سيضمّن الرئيس اوباما خطابه عروضاً الى العرب والمجتمع الدولي لتحفيزهما من خلال التعجيل في تقديم المساعدات الانسانية، وان الخطاب سيصاغ بأسلوب ينطوي على مثاليات ملهمة تؤكد التزاماته لرفع الغبن وتمكين الشعب الفلسطيني من الحصول على حقه في كيان وطني ليخرج من المآسي التي عاناها والغبن الذي أقعده عن صيرورة طاقاته. لذا سيكون الخطاب اقل بكثير مما نتوقع وأكثر بقليل ربما، تتحمله حكومة نتنياهو.
هذا لا يعني استحالة ان نفاجأ، سلباً أو ايجاباً، لكن مؤشرات أولية بدأت تظهر ولعل ما وصفته في عنوان هذه العجالة بالضربة الاستباقية التي وجهتها منظمة "ايباك" (اللوبي الاسرائيلي) يدل على ردع اي تماد في ما تعتبره حملة الضغط تقييداً على حرية اسرائيل المطلقة في التصرف.
ولست ادري ما اذا كانت المذكرة التي تقدمت بها "ايباك" والتي وقّعها نحو 330 من اعضاء مجلس النواب و76 من أعضاء مجلس الشيوخ الاميركيين يندرج في خانة "ضربة استباقية" ام هي في الواقع ابتزاز سياسي من شأنه "ترك مهمة التفاوض – بين اسرائيل والفلسطينيين – في شأن تفاصيل اي اتفاق للطرفين"، خصوصا "ان حليفتنا الديموقراطية اسرائيل ستتخذ مجازفات كبيرة في اي اتفاق سلام". لعل ما تنطوي عليه هذه الرسالة هو بمثابة ما يتجاوز الابتزاز الى ما يقارب الارهاب الفكري الذي يسكت اي اعتراض ويحول دون اي مساءلة وبالتالي اي معاقبة لهذا الابتزاز الواضح.
ونتساءل بدورنا هل ان مطالبة الرئيس اوباما ووزيرة الخارجية هيلاري كلينتون بوقف الاستيطان كاف لمباشرة ما يسمى خطأ بـ"المفاوضات"؟
ففي نظر اسرائيل (ايباك) ان هذا التعبير يحمل تشكيكاً بشرعية المستوطنات كحق لاسرائيل تمليه وهذا بالتالي يفسر استعداد اسرائيل لازالة البؤر الاستيطانية العشوائية التي صنفتها بأنها غير مرخص لها، تعبيرا عن استعداد اسرائيل للتجاوب مع رغبة اوباما لمناسبة زيارته للمنطقة. ولكن اذا كانت هذه البؤر الاستيطانية "غير قانونية" فلماذا بقيت وازدادت حتى صار قرار ازالتها الآن "تنازلا" من حكومة نتنياهو للادارة الاميركية الجديدة؟ هل ان الاستخفاف بعقول الناس وصل الى حد يفسر الغرور الكامن في كل عقيدة عنصرية متفلتة من اي احترام جدي للغير، وهي التي تميز السلوك الاسرائيلي، وإن بدرجات متفاوتة من الاستفزاز والصفاقة منذ قيامها واستمرارها في التمدد وخلق الوقائع على الارض ورفضها القاطع تعريف حدودها؟ ان اسرائيل تصر على العرب للاعتراف بها وتضع شروطا على الفلسطينيين في حين ان المنطق يقضي بأن يعرف الفلسطيني ماهية الدولة والحدود، وان الولايات المتحدة تشترط احياناً الاعتراف بدولة لا حدود لها. وقد جاء في الرسالة التي وقعتها اكثرية اعضاء الكونغرس انه "بعد حرمان الارهابيين السيطرة على غزة، وبعد ان تصير القوى الفلسطينية اكثر قدرة على تأكيد فاعليتها في الحكم وصون الامن يصبح الاتفاق (على ماذا؟) مع اسرائيل اكثر سهولة". وعندما نسأل، او حتى عندما يسأل الرئيس اوباما عن ماهية صيغة "الاتفاق" التي تعنيها اسرائيل سيكون الجواب أنه اكثر من ستة عشر عاما، منذ اتفاقات اوسلو، لم تكن هناك صيغة مقبولة من اسرائيل. وعندما قيل للعرب ما هي عناصر اتفاق السلام مع اسرائيل جاءت الاجابة من خلال بنود واضحة وصريحة اي قرارات القمم العربية، التي بادر في صياغتها العاهل السعودي الملك عبدالله بن عبد العزيز، وهذه قد تفسر زيارة الرئيس الاميركي للرياض قبيل القائه خطابه المنتظر من القاهرة.
حيال تحايل اسرائيل على الاعتراف بدولة فلسطينية على الاراضي الفلسطينية المحتلة، هل هناك اي التزام او تعهد اسرائيلي لادارة اوباما تسهيل قيامها؟ الاجابة ليست بالنفي فحسب بل الامعان بالممارسات الاستيطانية وتكثيفها واعلان قاطع لتهويد القدس والتهديد للمواطنين العرب داخل الخط الاخضر بالترحيل او المزيد من التهميش والتضييق والاذلال.
امام هذه المعوقات والتعقيدات التي تفرضها اسرائيل وكذلك امام محدودية المطالب الاميركية بوقف الاستيطان… هل نتوقع أن يعبر الخطاب عن اختراق واعد ام عن اجترار عموميات وان بصياغات اروع ولكن مفتقدة للنجاعة؟ في الخيار الاول يكون اوباما تحدى الابتزاز والارهاب السياسي وفي الخيار الثاني اي الاجترار يكون الرئيس تكيف مع الرسالة الاستباقية… وبكل اسف شارك في الابتزاز عضوا الكونغرس اللبنانيا الاصل بستاني وداريل عيسى في حين ان النائب نيك رحال من مرجعيون تحدى الابتزاز.




















