التصدي العلمي لمناسبات نزول السور والآيات القرآنية، في اطار مشروع واسع، يشي بقلق معرفي يعتمل نفس الكاتب ويكشف عن هم يسكن عقله، غير انه يشف، في الوقت عينه، عن منسوب الوعي الذي يملأ كيان المؤلف، فالغاية التي يرمي اليها بحث ما لا تنفك عن مستوى التطلع، فهي التي تلهم المشتغل وترفده بالطاقة والحافزية، وهي (الغاية) التي تدفعه الى طي الأيام الطوال لانجاز المهمة التي يعتقد بجدواها.
انطلاقاً مما تقوم، لا نخال ان ثلاثية الدكتور محمد عابد الجابري التي تمحورت حول "فهم القرآن الحكيم" تندرج في سياق عمل اوسع، ذلك ان الوقوف على مناسبات نزول الآيات وبلورة النصوص التي غلفها المناخ المكي وتلك التي واكبت الدعوة في المرحلة المدينية قد لا تقدم الكثير مما يسوغ هذا الجهد الكبير، فحجم الاضافات التي سيقدمها عمل بهذه السعة لا يستأهل العنت المسكوب في طريق الانجاز ان لم يردف بآخر تستدعيه حكمة الجهد والمثابرة.
يقول الفقهاء " ان المورد لا يخصص الوارد"، بمعنى ان خصوصية المناسبة لا ترسم حدوداً للمعنى، وكل ما في الأمر انها تعطي المطلع بعضاً من تمثلاتها لا اكثر. فآية "ولا يجرمنك شنآن قوم على ألا تعدلوا" وان نهت عن ظلم الأعداء في لحظات المواجهة القاسية معهم، فهي في صيغتها المطلقة تطلق طاقة الانسان باتجاه العدل في كل زمان وعلى امتداد مساحات المكان، اما الايحاء بالخصوصية وبربط المناسبة بالخطاب او الخطاب بالمناسبة وكأنهما رهينتا الزمن الخاص، ففيه اشارة خفية الى تاريخية النص وبالتالي عدم مشروعية الايمان بالتأبيد والاستمرارية.
القراءة التي نحن بصددها لا تتسع لمناقشة اللغة القطعية التي يطلقها الكاتب في غير مكان، وكأنه كان شاهداً حياً على الوقائع، مع معرفته المفترضة لتأخر زمن التدوين والذي ناهز القرن، وهو ليس بالزمن القصير خصوصا ان الحياة بعد الرسول (ص) كانت ترغف بالأحداث والوقائع والعصبيات والاضافات، ولا يفيد كثيراً، القول بوثاقة الرواة لأن الدراية، غالبا ما تكون الميزان في الأمر، فمن يضمن للأجيال وجود حبل متصل من الوعي بين سلسلة الرواة، ومن قال ان الحقبة الأموية لم ترخ بظلالها على مضامين الروايات، وكذلك العصر العباسي الأول، مع العلم ان الزهري وابن اسحاق عاشا في اشد اللحظات حراجة. ازاء هذا الواقع المحتف بالشبهات ليس بوسع الباحث مهما علا كعبه ان يتكلم بضرس قاطع وتتبع بنية السورة والجزم بوجود مقدمة وتحليل وخاتمة لا تؤهل احداً منا للجزم "بالتحرر من قيود الافكار المتلقاة والعوائق المعرفية التي تقيد حركة الفكر وتشل قدرته الجدلية".
وإذا أردنا الحديث عن جدوى مثل هذه الدراسات التي تقف عند حدود ترجيح رأي على رأي أو التوفيق بين الأقوال، فاننا لا نخالها، بهذه الحدود وبهذا المؤدى، قادرة على تحريك الساكن او اضافة قيمة جديدة، فالمنحى الاجتهادي منذ قرون طويلة لم يحد عن منهج التجزئة ومقاربة الأمور بتفاصيلها، التي غالباً ما يكمن الشيطان فيها، فديدن المجتهدين استقر على اجتزاء آية أو حديث والخروج من احدهما بموقف شرعي أو عملي، ولم يفلح هذا العقل في تخطي النص اليتيم الى الرؤية، ولا يستثنى من هذا الواقع الاضافات المعاصرة التي ظلت رهينة الجزئي والخاص فيما الحاجة تتأكد، يوما بعد يوم، الى الكلي والبنية والمنظومات، ومحاولة الشاطبي للارتقاء من التفاصيل والمفردات الى الرؤية، بالرغم من تقدمها في الزمن، فانها لم تنل حظاً في عالم الاجتهاد، وجل ما استفاده العقل الاسلامي لا يعدو المعرفة بها (المحاولة) وشرحها ومعرفة ملابساتها، فيما الاجتهاد تابع سيره في الاتجاه نفسه، وكأن الشاطبي لم يحدث امراً.
ما كنا نرجوه من الدكتور الجابري ان يوظف سعة اطلاعه على المناهج المعاصرة ليخرج بهندسة شاملة للرؤية الاسلامية سواء في عالم المعرفة او في التشريع، اما محاولة مجاراة عقل المشتغلين الأوائل في عالم مناسبات النزول دون الارتقاء منها وبها الى عالم البنى والمنظومات فهذا ما فاجأنا. لقد تطور علم المنهج في القرنين الماضيين كثيراً، وبات، هذا العلم، اقرب الروح الحياة مما كان متداولاً في القرون الوسطى؛ فالأفكار، كما الوقائع، لا تقارب بالنظرات الآحادية، التي لا تنتج الا موقفاً أشوه ومبتسراً، وانما يسبر كل العوامل والفواعل داخل الأنسجة. ولا ينبغي ان نتوهم ان مناسبات النزول يمكنها ان تعوق النظر الشامل او ان تحجب وجود خالق مدبر اراد ان يصوغ انسانا متوازنا له وظيفة ارفع في التفاصيل ترتقي الى مستوى الخلافة والشهادة والتسخير.
والمنهج المنظومي الذي نأمل ان يسود الدراسات القرآنية يقوم على فكرة حياكة سجادة التشريع والمعرفة من كل خيوط الأحكام والقيم والسلوكيات التي انطوى عليها القرآن الكريم لتخرج مزدانة بألوان الحياة الكريمة التي شاءها الله تعالى للبشر، وهذه تفترض بدل افراد خيوط المشهد بصورة مستقلة المباشرة في تحريك الخيوط لتتقاطع معاً في اطار حياكة تفضي الى بنية معرفية وتشريعية كلية وشاملة.
والمنهج السالف كفيل برفع الكلام عن الناسخ والمنسوخ، لأن نظم الرؤية يمنع بروز النتوءات والفجوات التي قد يتعثر العقل التجزيئي بحوافها، كما انه يضيق مساحة الاختلاف حول السياقات، فضلاعن الحديث في التدرج وخلافه، لان الاخير تقتضيه الحكمة العملية قبل كل شيء والمساجلة فيه لا يلغي كونه بدهياً، ودعوة المؤلف الى تجديد الفهم للأحكام "حتى تتلاءم مع المستجدات" تبقى مبترة ان لم تردف بالمنهج الذي يشتغل العقل بمقتضاه، وكذلك الأمر فيما يخص الحكم والمتشابه الذي خصه الكاتب بتفسير خاص يميز فيه بين العقيدة والشريعة، مع العلم ان هذا التمييز لا يحل معضلة الاختلاف في الشريعة تحديداً.
ما نريد ان نخلص اليه هو ان التفكير المنظومي الذي يتفاعل مع دينامية الوعي قد يكون المدخل لحل الكثير من الالتباسات، أما مقاربات المؤلف فهي لا تعدو وجهة نظر ارتسمت حدودها في اطار المقاربة المنهجية التجزيئية والتي تبقى خلاصتها محكومة لآحاد الزوايا التي يطل منها الباحث الى عالم النص.
[ الكتاب: فهم القرآن الكريم
[ الكاتب: محمد عابد الجابري
[ الناشر: مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت 2009
"المستقبل"




















