المستقبل –
ان العولمة هي وليدة التقدم التكنولوجي سواء كانت تكنولوجيا الاعلام التي تنشر ذات الأفكار والمعاني والصور ذاتها عبر العالم، أو كانت تكنولوجيا الاقتصاد التي تتولى الانتاج الجماهيري للسلع بما يشبع الحاجات والأذواق والغرائز وتوحد بينها. أو تكنولوجيا الحرب التي تفرض بقوة السلاح ما عجزت عن انجازه تكنولوجيا الاعلام والاقتصاد. تضمن العولمة حرية التحرك والانتقال على مختلف الصعد والمستويات سواء انتقال الأفراد أو الأفكار أو السلع والخدمات وهي على هذا النحو تدفع الى تبني نوعية حياة واحدة متجانسة عبر العالم في جملته، نوعية حياة تتميز بدرجة عالية من المرونة والسيولة.
وتعد الشركات المتعددة الجنسيات من ابرز عناصر العولمة وآلياتها، حيث يجسد نمط انتاجها خصائص العولمة. فهي تنوع مصادر الانتاج، حتى لتأتي اليها العمالة والمادة الخام ورأس المال وأسواق التصريف من مواضع أو مجتمعات مختلفة في العالم، يضاف الى ذلك عولمة تقسيم العمل في بنائها، حيث تنتشر وحداتها الانتاجية والتوزيعية في مناطق مختلفة من العالم، ثم هي تشكل وحدة تتعامل بندية مع اكثر من اقتصاد مجتمعي، وبرغم توزع فروع الشركة المتعددة الجنسيات في اكثر من مجتمع الا انها تعمل وفق منظومة ادارية وقيمية واحدة. وعلى هذا النحو فهي تساهم ليس فقط في خلق انتاج سلعي عالمي واحد فقط، ولا في إيجاد نوعية حياة واحدة تشكل السلع المنتجة قاعدتها، ولكنها تسهم بالأساس في خلق تجانس ثقافي واقتصادي واجتماعي على الصعيد العالمي.
وتعد الأسواق الحرة والمفتوحة من أهم عناصر العولمة وابرز آلياتها كذلك، ولمحورية هذا العنصر فقد أكدت عليه مواثيق دولية عديدة ابرزها اعلان اورغواي واتفاقيات الجات ومنتدى ديفوس، وهي المواثيق التي تراقب تدفقات وتحولات كثيرة. كتدفق سلع الشمال لتشبع اذواقاً وحاجات في الجنوب. وتدفق لبشر محرومين من الجنوب الى الشمال بحثاً عن فرص للعمل كمدخل للحصول على فرص الحياة. وتدفق للارباح التي تجنيها دول الشمال من اسواق الجنوب في مقابل مساعدات وقروض تدفعها دول الشمال لكي تبقي على اسواق الجنوب حية وقادرة على الاستهلاك. تفاعلات تبدو عبثية في ظاهرها لكنها في باطنها تعكس بحث الشمال الشره عن السيطرة والقوة والاستغلال.
على الصعيد الثقافي تسعى العولمة الى البحث عن تجانس ثقافي واحد قاعدته نوعية الحياة المستهدف عولمتها، وهي نوعية الحياة والثقافة الاميركية بالأساس، حيث يساعد تحقيق هذا التجانس الثقافي على تأسيس شرعية الاستهلاك الثقافي للسلع المنتجة اميركيا بالأساس وغربياً على اوسع تقدير. ولما كانت الدولة والثقافة القومية هي الفاعل الذي حاول تاريخياً قيادة التنمية المستقلة، المضادة بطبيعة الحال للعولمة، فان ازاحة الثقافة القومية تصبح هدفاً، واضعاف الدولة القومية هو أحد المداخل الى ذلك. ويمكن ان تساعد في تحقيق هذه الأهداف وسائل عديدة كاحياء هويات وطموحات وثقافات الجماعات الاثنية، او استثارة بعض الفئات الاجتماعية من خلال فرضها على اجندة المجتمع كموضوع المرأة مثلاً، او دغدغة عواطف الجماهير بمفاهيم غربية كالديموقراطية، وحقوق الانسان، وحق المشاركة وتقرير المصير، وهي جميعها مفاهيم لها نظائرها الأكثر اكتمالاً في تراثها القومي والحضاري.
ثم تأتي القوة في الخاتمة لتشكل الآلية او النصر الكامن والقاعدي لعملية العولمة، والتي يمكن استنفارها في اللحظة التي قد تظهر فيها عوائق امام تدفق موجات العولمة عبر القنوات الأخرى والمسالمة. ويمكن القول بأن القوة قد اصبحت في عالمنا المعاصر العنصر "الراسب" في منظمة العولمة الذي يخشاه اي فاعل الان على الصعيد العالمي، اذا داعبته رغبة في غلق اسواقه فيوجه السلع المتدفقة، او ساورته ظنون او يوقف تدفق المادة الخام الى وحدات الانتاج الاقتصادي المعولم، او ترك ساحته اطاراً ترتع فيه جماعات المقاومة والارهاب التي تسعى ـ ولو بالعنف ـ باتجاه الحفاظ على ثقافتها الحضارية والقومية، او تجاوزت ذلك الى معارضة ثقافة العولمة استناداً الى مرجعيتها الثقافية والدينية.
وفي هذا السياق العالمي المعولم تلعب المؤسسات الدولية دوراً محورياً في ترسيخ قواعد العولمة، سواء تم ذلك بصورة مباشرة او غير مباشرة، وسواء كان اداؤها يعبر عن توجهات قوى العولمة. او عن التوجهات او النية الخالصة لهذه المؤسسات.




















