يمكن مسامحة المرء إذا ظن أن بنيامين نتنياهو ورام إيمانويل يأتيان من عالمين متشابهين. فكلاهما ابن والد إسرائيلي متطرف عنيد. وكلاهما سعى ليبرهن عن حسن نيته كمدافع عن إسرائيل (نتنياهو من خلال خدمته في فرقة مغاوير نخبوية في الجيش الإسرائيلي وإيمانويل من خلال مسارعته للتطوع في إسرائيل خلال حرب الخليج الأولى). وكلا الرجلين يأتي من عائلة مؤلفة من أفراد أقوياء وشديدي التنافس قوامها ثلاثة أشقاء ناجحين، شقيق نتنياهو الأكبر، يوني، بطل قومي وهو قائد عملية عنتبي التي قتل خلالها وشقيق إيمانويل الأصغر، آري، من أهم الوكلاء في هوليوود وقد حقق نوعا من الخلود على الطريقة الأميركية لأن شخصية أحد برامج شبكة "أتش بي أوه" مستوحاة منه. (والشقيق الثالث لكل منهما طبيب بالطبع). نشأ إيمانويل في شيكاغو لكنه أمضى فترات الصيف في إسرائيل. ونتنياهو نشأ في إسرائيل لكنه أمضى سنوات مراهقته وسنوات دراسته الجامعية في الولايات المتحدة. الرجلان متشابهان بطرق أخرى أيضا: فكلاهما يمكن أن يكون فظا ويبدو متعجرفا. وكلاهما لا يخشى التصادم السياسي ويكره الخسارة.
يكادان يكونان أخوين. لذلك من المستغرب جدا أن يجد إيمانويل ونتنياهو نفسيهما في موقعين متضاربين على طاولة المساومة. إيمانويل، كونه كبير موظفي أوباما، لن يتفاوض مباشرة مع الإسرائيليين أو الإيرانيين أو أي طرف آخر. لكنه يبرز كلاعب أساسي في الجهود للضغط على إسرائيل في مسائل أساسية مثل برنامج إيران النووي والمفاوضات مع الفلسطينيين وإقناع المجتمع اليهودي في الولايات المتحدة بتلك السياسات. يقول مسؤول كبير في الإدارة الأميركية وافق على التحدث عن إيمانويل شرط ألا ينشر اسمه: دور رام كبير بلا شك. لديه إلمام كبير بهذه المسائل، وقد عايشها في الماضي، ويتمتع بثقة الرئيس التامة.
قد تنشأ التوترات بشكل خاص في ما يتعلق بمسألة إيران. فإسرائيل تعتقد أن منع الإيرانيين من الحصول على أسلحة نووية هو ضرورة وجودية، ويقلق المسؤولون الإسرائيليون من أن أوباما قد يفضل المساومة. سواء كانت هذه المخاوف مبررة أو لا، فإن إدارة أوباما تعتقد أن أفضل طريقة للضغط على إيران دوليا هي من خلال بذل جهود حقيقية لإقامة دولة فلسطينية. يقول نتنياهو إنه يرغب في التفاوض مع الفلسطينيين، لكنه لن يؤيد فكرة نشوء دولة مستقلة.
يتمتع إيمانويل بصدقية خاصة في سعيه للتوصل إلى سلام في الشرق الأوسط. تقول النائب جين هارمان، وهي عضو بارز في التكتل الديموقراطي في مجلس النواب الأميركي، حيث شغل إيمانويل منصبا قياديا حتى خريف العام الماضي: الأمر شبيه بذهاب نيكسون إلى الصين. بإمكانه أن يكون صريحا بشكل يعجز الآخرون عنه. وليم داروف، الذي يدير مكتب واشنطن للمجتمعات اليهودية المتحدة ويعرف إيمانويل، يصفه بأنه سلاح أوباما السري. الأمر لا يقتصر على قدرة أوباما على استغلال سمعة إيمانويل كصديق لإسرائيل لتكون درعا تتيح له التصرف بحزم مع الدولة العبرية. فرام ملم بأدق تفاصيل السياسات في إسرائيل بحيث يمكنه بكل سهولة كشف مناورات الإسرائيليين للرئيس مع تقدم المفاوضات، كما قال داروف لـ"نيوزويك". وأضاف: "لن يتمكن الإسرائيليون من خداع الإدارة من أي ناحية بفضل حنكة رام إيمانويل الذي يتكلم العبرية، سيعرف إن كان رئيس الوزراء الإسرائيلي يقوم بمحاولات تضليل في ما يتعلق بخطه الأحمر في مسألة إيران، أو في ما يتعلق بقدرته الحقيقية على إيقاف إنشاء المستوطنات في الضفة الغربية. (عندما طلبت "نيوزويك" من الناطقة باسم إيمانويل، سارة فينبرغ، التعليق، قالت إن هدفه الحرص على توفير كل الخيارات الممكنة للرئيس فيما نسعى لتحقيق السلام).
صورة إيمانويل كإسرائيلي، مع أنه لم يولد هناك، أعطت بعض الإسرائيليين واليهود الانطباع بأنه سيكون المدافع عنهم في إدارة أوباما – المؤيد لإسرائيل الذي يحسن الإصغاء. فهو يتمتع بهوية صهيونية بامتياز: والده بنيامين كان عضوا في ميليشيا الإرغون اليهودية المتطرفة التي كانت موجودة قبل قيام دولة إسرائيل. وقد قتل عمه إيمانويل في مناوشة مع العرب في ثلاثينات القرن الماضي، مما دفع العائلة إلى تغيير اسمها من أورباك لتكريمه. لكن البعض في المجتمع اليهودي خاب أملهم. حتى حاخامه آشر لوباتين لديه شكوك في ما يتعلق بعضو رعيته الغائب هذا. يقول لوباتين الذي يترأس رعية "أنشي شولوم بناي إسرائيل" الأرثوذكسية العصرية في شيكاغو: خيبة الأمل كبيرة. من بعض النواحي، كانت هناك توقعات عالية بسبب علاقة رام الوطيدة بإسرائيل والمجتمع اليهودي. بدلا من ذلك، برز رام إيمانويل القاسي وليس الودي.
على غرار بنيامين نتنياهو، الذي ترعرع مع أشقائه مستمعا إلى والده المتعلم والمتشدد يتكلم عن فكرة اسرائيل العظمى التي لا تتضمن الضفة الغربية فحسب بل الأردن أيضا، توجب على إيمانويل أن يكون على مستوى توقعات أبيه. فإيمانويل الأب، وهو طبيب في شيكاغو، أحرج ابنه في الخريف الماضي عندما قال لإحدى الصحف الإسرائيلية إن ابنه سيؤثر حتما في أوباما ليكون مؤيدا لإسرائيل. “لمَ لن يفعل ذلك؟ هل هو عربي؟ إنه ليس في البيت الأبيض لينظف الأرضية". اضطر رام إيمانويل إلى الاعتذار بعيد ذلك من المجتمع الأميركي العربي. (لم يستجب بنيامين إيمانويل إلى طلباتنا للتعليق على الموضوع).
لكن إيمانويل غالبا ما برهن على أنه براغماتي. فالتسريبات من اجتماعاته مع القادة اليهود منذ كانون الثاني تشير إلى أن دوره كان دفع الإسرائيليين نحو اعتماد موقف أكثر ليونة في مسألة الدولة الفلسطينية والتفاوض مع إيران. يبدأ إيمانويل اجتماعاته مع القادة اليهود بتحذير: إذا تم تسريب أي من مجريات الاجتماعات، حسبما يقول مشاركون في تلك اللقاءات، فلن يتكلم هو أو أي شخص آخر في البيت الأبيض إلى هؤلاء القادة من جديد.
في وقت سابق من هذا الشهر، خلال المؤتمر السنوي للجنة الشؤون العامة الأميركية الإسرائيلية، شعر عدد من المندوبين بالانزعاج عندما أصر إيمانويل على إحراز تقدم في القضية الفلسطينية. على غرار أوباما الأسبوع الماضي، بدأ بالتباهي بالعلاقة الخاصة بين أميركا وإسرائيل اوالصداقة الوطيدة، المتجذرة في القيم المشتركة. لكن وفقا لمسودة النقاط التي أراد إيمانويل التطرق إليها في المؤتمر والتي حصلت عليها "نيوزويك"، أعلن أيضا أن هذه لحظة الحقيقة بالنسبة إلى دولة إسرائيل واحتمالات تحقيق السلام. وفي حين أن نتنياهو سعى إلى التخفيف من أهمية المحادثات مع الفلسطينيين والتركيز على وضع حد لطموحات طهران النووية، قال إيمانويل إن أوباما يعتقد أن قدرتنا على التصدي للتحدي الكبير الذي تشكله إيران ستتأثر بقدرتنا على إحراز تقدم على المسارين العربي – الإسرائيلي والفلسطيني – الإسرائيلي.
لقد اتخذ إيمانويل في السابق مواقف معتدلة وحتى مسالمة. في تشرين الثاني عام 2003، كان أحد عضوين يهوديين في مجلس النواب رعيا قرارا لتأييد اتفاقية جنيف، وهي اتفاقية غير رسمية ومبدئية لحل قائم على دولتين توصل إليه فلسطينيون وإسرائيليون معتدلون. وقبل عقد، عندما كان مستشارا في الشؤون الداخلية لبيل كلينتون، كان إيمانويل المنظم وراء الكواليس، المتلهف للمصافحة في البيت الأبيض بين ياسر عرفات وإسحق رابين التي رسخت عملية السلام في أوسلو، بحسب المشاركين. يقول مسؤول سابق في إدارة كلينتون طلب عدم نشر اسمه لتحدثه عن المناقشات التي حصلت في البيت الأبيض: رام أدار حفل التوقيع "هو كان المسؤول”.
قد يكون دور إيمانويل غير المعتاد كوسيط مفيدا بشكل خاص في العام المقبل فيما يحاول أوباما التوصل إلى اتفاقية مع إيران حول برنامجها النووي، قد لا تفي بالتوقعات الإسرائيلية. لقد بدأت إدارة أوباما بالتخفيف من حدة لهجتها تجاه إيران مقارنة بإدارة بوش. كان فريق بوش أصر على إيقاف كل عمليات تخصيب الأورانيوم. ويقول المسؤولون في إدارة أوباما أيضا إنهم يريدون منع طهران من التخصيب، لكنهم أكثر تركيزا على الهدف الأهم: وهو الحؤول دون اكتساب إيران سلاحا نوويا. كما أن هناك مؤشرات على أنه يتم البحث في أفكار جديدة، تم التطرق إلى إحداها في تقرير للجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ نشر في وقت سابق من هذا الشهر: وهي السماح لإيران بالاستمرار في التخصيب على المستوى المدني، شرط أن تكشف عن برنامجها العسكري المزعوم وتوافق على عمليات تدقيق صارمة جدا. عندما سئلا عن هذا الاقتراح وغيره، قال مسؤولان كبيران في الإدارة طلبا عدم الكشف عن هويتهما لمناقشتهما مسائل حساسة، إن الإدارة تفضل وضع حد لعملية التخصيب، لكن لم يتم استثناء أي احتمالات أخرى.
لا يزال من المبكر التحدث عن أي اتفاقية ستتطلب تغييرا كبيرا في العلاقات بين إيران والغرب. حتى الآن، لم يوافق الإيرانيون على تحديد تاريخ لبدء المحادثات. لكن الإسرائيليين حذرون على الرغم من ذلك. يقول روبرت ساتلوف، الذي يدير معهد واشنطن للسياسة في الشرق الأدنى والذي يعكس التفكير الإسرائيلي عادة: سأفاجأ إن قبلت هذه الحكومة أو أي حكومة إسرائيلية بتشريع تخصيب إيران الأورانيوم في أي ظرف. وإذا أضفنا إلى ذلك المواقف المتضاربة بشأن الطريقة المثلى للتوصل إلى سلام مع الفلسطينيين، يبرز احتمال نشوء ما يصفه ساتلوف بأنه أكبر خلاف بين البلدين في تاريخ علاقتهما.
كل هذا سيطرح مشاكل سياسية لأوباما في الداخل أيضا، فيما يلعب إيمانويل دور الوسيط الملطف للأجواء لمصلحة رئيسه. النائب إريك كانتور، وهو عضو الكونغرس الجمهوري اليهودي الوحيد، يقول إن إدارة أوباما تتخذ موقفا مغايرا إلى حد كبير لموقف المجتمع الأميركي اليهودي عموما في محاولته التقرب من إيران. ويضيف: "المجتمع المؤيد لإسرائيل لطالما طالب بإبقاء العقوبات الضاغطة على النظام الإرهابي في إيران… لقد أشارت الإدارة بشتى الطرق إلى أنه يجدر بنا ألا نسعى لفرض عقوبات فيما تجري المفاوضات. (ينكر المسؤولون في الإدارة أنهم ينوون تخفيف العقوبات إن استهلت المفاوضات).
يريد نتنياهو أن يتم تحديد مهلة زمنية للمحادثات – ما بين ثلاثة وستة أشهر – لمنع إيران من المماطلة فيما تخصب الأورانيوم للاستعمال العسكري. في قمة الأسبوع الماضي، بدا أن أوباما يذعن لنتنياهو عندما قال إنه سيصر على رؤية بعض التقدم بحلول نهاية العام. المسؤولون المقربون من نتنياهو، الذين لم يشأوا الكشف عن أسمائهم لمناقشتهم مسائل ديبلوماسية حساسة، يقولون أيضا إن إسرائيل تريد أن تعرف منذ الآن ما هي الإجراءات التي سيكون أوباما مستعدا لاتخاذها ضد إيران إذا فشلت المحادثات. وقد تكلمت وزيرة الخارجية هيلاري كلينتون عن عقوبات مُشلّة أمام الكونغرس في الأسابيع الماضية لكن المسؤولين في الإدارة رفضوا الإفصاح عن المزيد من التفاصيل.
لقد تصادمت إسرائيل والولايات المتحدة في السابق بالطبع. عندما رفض رئيس الوزراء المتطرف إسحاق شامير وقف بناء المستوطنات عام 1991، امتنع الرئيس جورج بوش الأب عن تقديم ضمانات أميركية لقروض بقيمة 10 مليارات دولار. كما أن التحذيرات العلنية التي أطلقها بشكل أساسي وزير خارجية بوش آنذاك، جيمس بايكر، أغاظت الكثير من الإسرائيليين. لكن إدوارد دجيرجيان، الذي عمل في وزارة بيكر، وأصبح لاحقا سفير الولايات المتحدة في تل أبيب، يقول إن الحزم مفيد أحيانا في التعامل مع السياسيين الإسرائيليين. "قال لي رابين ذات مرة إن تلقّي زعيم إسرائيلي رسالة واضحة من الولايات المتحدة يمكن أن يكون أمرا مفيدا جدا لأن باستطاعته بعد ذلك أن يذهب إلى ناخبيه ويقول لهم: اسمعوا، أعرف أن هذا صعب ولا يعجبني كثيرا لكن أفضل صديق لنا يريد منا القيام بذلك، وبالتالي علينا أن نقوم به"، كما يقول دجيرجيان الذي يترأس الآن معهد جيمس آي بايكر الثالث للسياسة العامة في جامعة رايس. قد يكون رام إيمانويل
أفضل صديق يرسله باراك أوباما لإيصال هذه الرسالة.
("نيوزويك" (الطبعة العربية))




















