محمد ابرهيم
المعادلات التي ترسمها إدارة الرئيس الاميركي باراك أوباما في ملفات التسوية لا توحي باننا نقترب من "اختراقات" بسبب النَفَس الاميركي الجديد.
عندما اختار أوباما ان يبدأ مقاربته الشرق الاوسطية باعطاء الاولوية للقضية الفلسطينية، وضمنها اعطاء الاولوية لوقف الاستيطان في الضفة الغربية، بدا وكأنه يبدأ البداية الصحيحة.
ثم ما لبث ان ادخل عنصراً جديداً على معادلة جديدة، لا سابقة لها، قوامها خطوات تطبيع عربي مقابل وقف الاستيطان الاسرائيلي.
في تاريخ مشاريع تسوية الصراع العربي – الاسرائيلي كان التطبيع، خطوة لاحقة، او موازية للتسوية، والتسوية معناها اولاً استعادة الارض فمن اين أتت المعادلة الجديدة؟
ما علاقة وقف الاستيطان بمرور الطائرات الاسرائيلية في الاجواء العربية، ومنح تأشيرات عربية لاسرائيليين وافتتاح مكاتب التمثيل التجارية لاسرائيل في العواصم العربية؟!
ورافق المعادلة الجديدة كلام أميركي عن خطوات شجاعة مطلوب من الزعماء العرب، مقابل الخطوة "الشجاعة" الاسرائيلية المتمثلة بوقف الاستيطان.
الشجاعة مطلوبة من الزعماء العرب، ومن ضمنهم، الزعماء الفلسطينيون، اي من الجهات التي تعرضت خلال الاعوام الاخيرة لحملات تندد بانهزاميتها وبأنها احترفت تقديم التنازلات من دون مقابل.
واذا كان التطبيع العربي هو الفاتحة ليس للمفاوضات وانما لتجميد الوضع عند مستواه الراهن فماذا يُنتظر من خطوات مطلوبة في كل مرحلة من الرحلة الطويلة لانجاز "التسوية"؟
المعادلة الثانية التي هي في طريقها الى الارتسام تتعلق بالمسار السوري – الاسرائيلي. وعلى هذا الصعيد كانت التوقعات ان الادارة الاميركية التي رفعت شعار الحوار من موقف الاختلاف ستتجاوز المعطيات التي تركتها الادارة الاميركية السابقة في هذا المسار.
من المعروف ان ادارة جورج بوش حجزت امكان انطلاق مفاوضات سورية – اسرائيلية لانها لم تكن تنسجم مع رؤيتها للصراعات في المنطقة آنذاك.
وكان من المنتظر ان تعمد ادارة اوباما الى التعاطي ايجاباً مع النظرية التي تقول انه يمكن جذب سوريا خارج الاصطفاف الاقليمي الراهن بواسطة التسوية، لا ان تقلب الاوضاع فيصبح شرط التفاوض تغيير الموقع.
ربما في هذا الملف ايضاً لم تكن هذه النيات الاصلية لادارة اوباما. وانما تتطوّر مواقفها بسبب ان الائتلاف الحاكم في اسرائيل اليوم هو الابعد عن التنازلات، الارضية، في معظم تاريخ الحكومات الاسرائيلية.
وهنا لا بد من ملاحظة الاختلاف في النبرة بين خطب الرئيس اوباما الموجهة الى العرب والمسلمين عموماً، وبين التصريحات المقتضبة لوزيرة الخارجية الاميركية هيلاري كلينتون، والتي كثيراً ما تضع نقاطاً على الحروف، تجعلنا نتساءل عن الفارق بين مواقفها ومواقف الادارة الاميركية السابقة. فأيهما سيثبت انه الابقى: البلاغة الخطابية المسهبة ام الايجاز الصارم؟
الانقسام الفلسطيني المستمر، والمتنقل من موعد الى آخر، يساعد في ترسيخ معادلة ثالثة، هي معادلة شروط التعامل الاميركي مع "حماس" قبل السماح لها بالانخراط في المسار السلمي.
لكن حتى هنا، ورغم ان "حماس" تلتزم عملياً، التهدئة المفتوحة حيال اسرائيل، لم يحدث تليين في الموقف الاميركي من نوع الحوار غير المشروط الذي تكون نتيجته تعديل الموقف، لا اشتراط هذا قبل ذاك. هنا يقع بالتأكيد الحُرم الاسرائيلي الاكبر. باختصار ممنوع التعاطي مع "حماس" حتى تصبح "فتح" ومن الطريف في هذا المجال الاستنكار الاسرائيلي للقاء الفلسطيني – الايراني على هامش قمة عدم الانحياز في شرم الشيخ.
ادارة أوباما تنزلق، بتأثير اسرائيلي واضح، نحو مواقف تعيد توزيع مسؤولية التعثّر في مسارات التسوية على الطرفين، وتحت ستار التوازن الشكلي، المنطقي، ينزاح الموقف الاميركي، الى طلب تنازلات عربية نتيجتها العملية اثبات صحة رأي القائلين بأن العلاقة الاميركية – الاسرائيلية غير قادرة، مبدئياً، على انتاج تسوية.




















