نصير الأسعد
يتضمن القرار 1701 الصادر عن مجلس الأمن الدولي في آب 2006 عدداً من الفقرات المسماة "تنفيذية"، التي توضح وتحدد واجبات لبنان والتزاماته بموجب هذا القرار من جهة وتعيّن طبيعة التفويض المعطى لقوات "اليونيفيل" المعززة أي مهماتها من جهة أخرى.
الفقرة 8 والمنطقة المنزوعة السلاح
في الفقرة "التنفيذية" الثامنة من القرار 1701 نصّ يدعو لبنان الى إتخاذ "تدابير أمنية للحؤول دون معاودة الأعمال الحربية بما في ذلك إنشاء منطقة خالية من أي عناصر مسلحة وعتاد وأسلحة بين الخط الأزق ونهر الليطاني إلا من تلك التابعة للحكومة اللبنانية واليونيفيل". وعليه فإن الركن الأساس في الـ1701 هو إقامة "منطقة عازلة" يحظّر فيها وجود مسلحين وسلاح خارج الشرعيتين اللبنانية والدولية.
وإذا كانت الفقرة نفسها تحدد للبنان واجبات أخرى في إطار "التطبيق الكامل لبنود اتفاق الطائف ذات الصلة والقرارين 1559 و1680 التي تنص (البنود) على نزع سلاح كل المجموعات المسلحة في لبنان بحيث لا تكون هناك أسلحة أو سلطة في لبنان غير أسلحة الدولة اللبنانية وسلطتها"، كما تطلب "عدم وجود قوات أجنبية في لبنان من دون موافقة الحكومة اللبنانية" و"منع بيع الأسلحة والمواد ذات الصلة للبنان أو تزويده بها إلا بإذن من حكومته"، فإن الفقرة التنفيذية الحادية عشرة تنص على أنه "يتعين على القوة الدولية" أن تضطلع بمهام منها "أن ترافق القوات المسلحة اللبنانية وتدعمها خلال إنتشارها في الجنوب بما في ذلك على طول الخط الأزرق"، ومنها أيضاً "أن تساعد القوات المسلحة اللبنانية على اتخاذ خطوات من أجل إنشاء المنطقة المشار اليها في الفقرة الثامنة" أي المنطقة المنزوعة السلاح.
الفقرتان 11 و12 تجيزان إجراءات صارمة
أما في الفقرة التنفيذية الثانية عشرة فنصٌّ "يجيز لليونيفيل القيام بكل ما هو ضروري في مناطق إنتشار رجالها وضمن إمكاناتها للحرص على عدم إستعمال مجال عملياتها لتنفيذ نشاطات عدائية من أي نوع كانت، ومقاومة المحاولات التي تهدف من خلال وسائل عنيفة الى منعها من الإضطلاع بالمهمات الموكولة اليها بموجب تفويض مجلس الأمن". وعليه فإذا كانت إقامة منطقة منزوعة السلاح تمثل الركن الأساس في الـ1701، فإن الفقرتين التنفيذيتين 11 و12 تطلبان من "اليونيفيل" أن تقوم بـ"مساعدة القوات المسلحة اللبنانية" على إقامة هذه المنطقة، وأن "تحرص على عدم إستعمال مجال عملياتها"، ما يعني الإجازة لها بالتحقق والدهم والإعتراض والتحقيق..
المخزن المنفجر مخالف للـ1701
في ضوء هذه المقدمات، من الواضح تماماً أن وجود مخزن أسلحة في بلدة "خربة سلم" الواقعة بين الخط الأزرق ونهر الليطاني، يشكل مخالفة صريحة للقرار 1701 وللفقرة التنفيذية الثامنة، فكيف إذا كان الأمر "أكثر" من مخزن ويتعلق بـ"معمل" كما تردد؟ ثم إذا كان الإنفجار في المستودع هو ما كشف وجوده صدفة، فإن من واجب الجيش و"اليونيفيل" أن يقوما بالتحقيق توصلاً الى منع إستخدام المنطقة المنزوعة السلاح في أي اتجاه مخالف للقرار الدولي. والتحقيق يفترض المعاينة والسؤال والدهم والتطويق وإزالة "المخالفات".
ليس من حق أحد، و"حزب الله" في المقدمة، الإعتراض على قيام "اليونيفيل" بواجباتها بموجب تفويض مجلس الأمن المحدد في القرار 1701، أي التفويض الذي يلزمها بالتحقيق في "مخالفة" فادحة للقرار الدولي توصلاً الى إزالة المخالفة.
هنا، يبدو أن "حزب الله" احتج على عدم قيام "اليونيفيل" بالتنسيق مع الجيش في إجراءات التحقيق، ما أدى الى "إستفزاز الأهالي"! فهل صحيح أنه لم يكن ثمة تنسيق بين القوات الدولية والجيش اللبناني؟
الجيش في 14 تموز يؤكد "الشراكة"
في البيان الصادر عن قيادة الجيش ـ مديرية التوجيه في 14 تموز، أي يوم حصول إنفجار المخزن، أنه "وعلى إثر حصول إنفجار في أحد المباني المهجورة في خراج بلدة خربة سلم قضاء بنت جبيل، ضربت قوى الجيش طوقاً أمنياً حول المكان، وكلفت لجنة مشتركة من الجيش اللبناني وقوات الأمم المتحدة الموقتة في لبنان للتحقيق بالموضوع بعد التأكد من سلامة الدخول الى المبنى المذكور".
ما يقوله البيان بوضوح هو أن التنسيق بين الجيش و"اليونيفيل" حصل فور الإنفجار في 14 تموز حيث كلفت "لجنة مشتركة للتحقيق"، وبات التحقيق مشتركاً منذ اللحظة الأولى.
..وفي 18 تموز يؤكد التنسيق
وفي بيان ثانٍ عن قيادة الجيش ـ مديرية التوجيه السبت الماضي 18 تموز، أي في يوم "إحتجاج الأهالي" (!) يرد أنه "بتاريخه وإستكمالاً للإجراءات المشتركة التي يقوم بها الجيش اللبناني وقوات الأمم المتحدة الموقتة العاملة في جنوب لبنان وذلك على أثر الإنفجار الذي حصل مؤخراً في بلدة خربة سلم ـ قضاء بنت جبيل، حصل التباس لدى أهالي البلدة نتج عنه بعض ردود الفعل (..)".
ويضيف البيان أن "وحدات الجيش اللبناني والقوة الدولية ستستمر بالعمل بشكل وثيق لتطبيق القرار 1701". وهنا أيضاً فإن التنسيق واضح في قول البيان "إستكمالاً للإجراءات المشتركة"، أي أن تحرك "اليونيفيل" في خربة سلم السبت الماضي كان منسقاً مع الجيش. وهذا ما أكده نائب الناطقة باسم قوات الطوارئ أندريا تينينتي في وقت لاحق، إذ أعلن ان "اليونيفيل كانت متواجدة مع الجيش عندما حصل الإشكال".
كي لا تكون خربة سلم "مار مخايل 2"
بإختصار، إن ما قامت به "اليونيفيل" السبت الماضي في خربة سلم يقع في نطاق مهماتها وواجباتها.. وبالتنسيق مع الجيش اللبناني، ولم يكن الإحتجاج عليها في محله، بل كانت الحملة عليها ظالمة وإتهامها بتنفيذ توجهات إسرائيلية أظلم، بالضبط لأنها كانت "في صميم" القرار 1701. وما يؤسف له فعلاً أن التعرض لـ"اليونيفيل" وجرح عناصرها والحملة عليها.. هي الأمور التي تفيد إسرائيل في مطالبتها بتعديل ما يسمى قواعد عمل القوات الدولية في جنوب لبنان، والتي تشكل ذرائع لإسرائيل للإنقضاض على القرار الدولي وإسقاطه. هذا في حين أن احترام لبنان لإلتزاماته في إطار الـ1701، لا سيما ركنه الأساس المتعلق بالمنطقة العازلة وتنفيذه للخطوات الآيلة الى بسط سلطة الدولة، هما ـ احترام الإلتزامات وتنفيذ الخطوات ـ ما يقطع الطريق على إسرائيل.
إن أخشى ما يخشاه اللبنانيون بعد ما جرى في الجنوب في الأسبوع الماضي، هو أن يكون ثمة إتجاه نحو "ترهيب" القوات الدولية وفرط هيبتها، ما يشل قدرتها على العمل وعلى مواصلة مهماتها.. وأن تكون خربة سلم "مار مخايل 2" عندما إستهدفت هيبة المؤسسة العسكرية في كانون الثاني 2008. ولذلك، فإن الغطاء السياسي اللبناني لـ"اليونيفيل" مطلوب اليوم أكثر من أي يوم مضى، تأكيداً على الـ1701 وعلى الإلتزام به.




















