رنده حيدر
منذ وصولهم الى السلطة لم يضيّع وزراء اليمين في الإئتلاف الحكومي الاسرائيلي الذي يرئسه بنيامين نتنياهو دقيقة واحدة من وقتهم إلا ووظفوها من أجل تحقيق هدفهم الأساسي في تعزيز الطابع اليهودي للدولة العبرية، والقضاء على أي تنازل قد تكون الحكومة السابقة قامت به في هذا السياق. ويشمل هذا المسعى قضايا مهمة وأساسية مثل عدم القبول بالعودة الى الحوار مع الفلسطينيين ما لم يعترف هؤلاء، مرة واحدة والى الأبد، بيهودية الدولة العبرية، ورفضهم الإستجابة للضغوط الأميركية بشأن تجميد البناء في المستوطنات، ناهيك بتأجيلهم تنفيذ قرار تفكيك البؤر الإستيطانية غير القانونية، بحيث باتت مشكلة المستوطنات سبباً لإنفجار العلاقة بين الولايات المتحدة وإسرائيل وعودة التوتر والتصعيد مع الفلسطينيين، هذا الى رفضهم المطلق أن تتضمن التسوية المقبلة مع الفلسطينيين أي كلام على حق العودة.
لكن الى جانب هذه المسائل الأساسية الكبرى يعكف وزراء اليمين في حكومة نتنياهو على إتخاذ سلسلة قرارات تدل بوضوح على نياتهم تعزيز الطابع اليهودي للدولة وإضعاف الأقلية العربية في إسرائيل ومحاصرتها. من بين القرارت الأخيرة التي اتخذت في هذا المجال قرار وزير التربية في حكومة نتنياهو الغاء الحديث في كتب التاريخ الموجهة الى عرب إسرائيل عن نكبة الفلسطينيين لأن ذلك من شأنه التشكيك بشرعية الدولة العبرية. وكانت وزيرة التعليم السابقة في حكومة إيهود أولمرت يولي تامير قد أقرت بعد سلسلة نقاشات ومدوالات أجرتها بضرورة تدريس موضوع النكبة في كتب التاريخ الموجهة للتلامذة العرب في إسرائيل، لأن الموضوعية تقتضي لدى الحديث عن حرب 1948 الإشارة الى أن هذه الحرب أيضاً كانت سبب نكبة الشعب الفلسطيني وتشرده وخسارته.
قرار آخر سعت أحزاب اليمين الى تمريره ولم تفلح في ذلك حتى الآن هو سحب المواطنة الإسرائيلية من كل فلسطيني من عرب 1948 يُتهم بالتواطؤ مع التنظيمات الفلسطينية التي تعتبرها إسرائيل معادية لها. وقد تزعم حزب" إسرائيل بيتنا" الذي يشغل زعيمه أفيغدور ليبرمان منصب وزير الخارجية هذه الحملة التي وصفها اليسار الإسرائيلي بـ"الفاشية والعنصرية ضد العرب".
وضمن السياق عينه يأتي قرار وزير المواصلات الإسرائيلي يسرائيل كاتس بتغيير أسماء 2500 قرية ومدينة في إسرائيل من العربية الى العبرية. ويصب تنفيذ هذا القرار في صلب المسعى المحموم الذي تخوضه حكومة نتنياهو من أجل التشديد على الطابع اليهودي لدولة إسرائيل وإزالة البقية الباقية من التراث الفلسطيني.
ليس خفياً على أحد أن العداء للعرب في إسرائيل إشتد وتصاعد بعد فوز اليمين المتشدد في الإنتخابات الأخيرة لا سيما أن حزباً مثل حزب "إسرائيل بيتنا" استطاع أن يحصد عدداً أكبر من المقاعد في الكنيست نتيجة الحملة المعادية للأقلية العربية في إسرائيل.
يشكل العرب في إسرائيل ما نسبته 20 في المئة من مجموع سكان الدولة يمثلهم نحو 11 عضواً في الكنيست يتوزعون على الخريطة السياسة في إسرائيل كلها. وقد شكلت الأقلية العربية على مدى الأعوام الستين الماضية وفي ظل تعاقب الحكومات الإسرائيلية المختلفة جزءاً أساسياً من المشهد السياسي والديموغرافي في إسرائيل لا يمكن الغاؤه أو تغييره من دون أن يؤدي ذلك الى زعزعة كبيرة في الأسس التي قام عليها "إعلان استقلال إسرائيل" مما يحولها بشكل معلن الى الدولة العنصرية بامتياز في القرن الحادي والعشرين.
من المؤكد أن التوجه الحالي للمؤسسة الحاكمة في إسرائيل والمعادي لعرب 48 سينعكس سلباً على مواقف المجتمع الإسرائيلي عامة من الأقلية العربية، هذه المواقف التي انقسمت بين النبذ والعداء والتهميش من ناحية والاعتراف والتعايش من ناحية ثانية، وستضعف أكثر فأكثر التيارات الإسرائيلية المؤمنة بأهمية العيش المشترك مع العرب وبحقهم في المواطنة.
يحدث هذا كله في وقت يمر اليسار الإسرائيلي بمرحلة اضمحلال تكاد تقضي عليه، يضاف الى ذلك تراجع في مكانة حزب الوسط "كاديما" الذي يشكل الركن الأساسي للمعارضة، وانهيار شبه كامل لما كان يطلق عليه "معسكر السلام في إسرائيل". الأمر الذي يترك لليمين في إسرائيل الحرية المطلقة في تحقيق يهودية الدولة على حساب الأقلية العربية في إسرائيل.




















