في صوت اللبنانيين رنة هزيمة هذه الأيام. تشمها في أحاديثهم مهما عاندوا وكابروا وحاولوا التمويه. لا يريدون الاعتراف صراحة. يعاودون اختراع الأوهام والمواعيد وتصديقها. لكنهم في داخلهم يلمسون هذا الشعور بالخسارة.
تذهب البلاد الى الانتخابات ثم تتصرف كأنها لم تذهب. ينتصر فريق ثم يتصرف كأنه لم ينتصر. ويخسر فريق ثم يتصرف كأنه لم يخسر. هذا يتحايل على انتصاره. وذاك يتحايل على خسارته. كأن الانتخابات ممارسة تزيينية بلا جدوى. وإرادة الناخبين بلا قيمة.
الشاب الذي اغتبط بفوز معسكر 14 آذار استنزفت الأيام الأخيرة غبطته. امتلاكُك الأكثرية النيابية لا يعني قدرتك على تشكيل الحكومة . لو شكلتها استناداً الى انتصارك ستُتهم بالإخلال بالميثاق الوطني وأصول التعايش. ستفتح الباب لتتدفق المعارضة الى الشارع. يكفي احتكاك بسيط. تطل الفتنة ونعود الى المربع الأول نستعين بالخارج لضبط شهية بعض الخارج في التدخل ثم نناشد هذا البعض التدخل لضبط شهيات بعض الداخل.
يشعر الشاب بشيء من الهزيمة. سعد الحريري زعيم الغالبية النيابية. رئيس التكتل الأكبر. زعيم غير منازع للطائفة السنية. يملك إرثاً لبنانياً وعربياً واسعاً. وترسانة علاقة دولية. إذا لم يستطع سعد تشكيلها فمن يستطيع؟ وإذا اعتذر من سيجرؤ على التقدم لتجرع الكأس؟ وإذا تجرع كأس الثلث المعطل ماذا سيحل برصيده؟ يقول الشاب حائراً: إذا مُنع سعد من التشكيل سيكون للمسألة وقع مذهبي لا يخفى على أحد.
يشعر الشاب بشيء من الهزيمة. يراقب حركة وليد جنبلاط. انتصر في الانتخابات ويتصرف كأنه خسرها. الرجل الذي أخذ 14 آذار بعيداً، وأحياناً أكثر مما ينبغي أو يجب، يزرع العبوات بين صفوفها كأنه يدربها على الهزيمة. يزداد قلق الشاب حين يلمس أن الفريق الآخر لم يكافئ جنبلاط على سلوكه. يرحب به كمفكك لـ14 آذار ولا يغطي إحراجاته بالهدايا.
شاب من معسكر 8 آذار يشعر بالهزيمة. أو بشيء منها. إذا كان المعسكر الآخر خائناً أو مرتبطاً بالخارج فلماذا عاد منتصراً من صناديق الاقتراع؟ وإذا كان متهماً في خياراته الوطنية فلماذا نحارب للجلوس معه وفي ظله في الحكومة؟ لماذا لم يكلف الناخبون قوى 8 آذار بإنقاذ البلاد ولماذا حرموها من الغالبية النيابية؟ وهل صحيح أنها لو فازت كانت ستضطر الى الاعتصام بالصبر والصمت والانتظار على غرار ما يفعل حالياً الفريق المنتصر؟
يسأل الشاب نفسه. هل صحيح أننا نملك أقوياء في بعض الوطن ولا نملك أقوياء على امتداد مساحته ومشاعره؟ وهل قدرة القوي هنا وهناك هي قدرة على العرقلة والاعتراض يستحيل أن تتحول قدرة على الحل؟ وهل صحيح أن مصادر القوة تتعارض مع مشروع الدولة؟ وهل نحن أبناء نظام فاشل أم أبناء وطن فاشل؟
قبل اغتيال الرئيس رفيق الحريري كان اللبنانيون يغطون عجزهم عن التفاهم. يتدبرون أعذاراً شتى، في طليعتها دور الضابط السوري المقيم في عنجر. وكانوا يجاهرون أو يهمسون أن تدخلاته تحول وتمنع وتعيق. وكان مثل هذا الهمس يصدر عن بعض من أفنوا زهرة شبابهم على طريق بيروت – دمشق. اليوم لم يعد ذلك الضابط موجوداً فلماذا لا يتفاهم اللبنانيون؟
للصيف اللبناني رنة الهزيمة. اللبنانيون أقوياء بما يكفي لمنع إنقاذ لبنان. اللبنانيون أضعف من متطلبات تسوية خلاّقة وعادلة تقفل الملعب اللبناني وتنتج دولة تستوفي الشروط المتعارف عليها. يبدو المحرك اللبناني مصاباً بأعطاب قاتلة. كأن فكرة لبنان أكبر من قدرة اللبنانيين على اكتناه سر ديمومتها وتجديده.
ما أجمل أن تكون سائحاً في لبنان. ما أصعب أن تكون لبنانياً فيه. صيف السائح مفتوح على الفرح. وصيف المواطن مفتوح على حبال القلق. المسألة أعقد من تشكيل حكومة. انها الفشل في تشكيل وطن.




















