نصير الأسعد
معلومة فأسئلة وتحليل فإستنتاج.
أما المعلومة فتقول إن "حزب الله" قام ومنذ بضع سنوات بفتح طرق تصل بين منطقة بعلبك الهرمل ومنطقة جبيل في الاتجاهين عبر سلسلة جبال لبنان الجنوبية، أي عبر "الحفر" في السلسلة. وهكذا فثمة طريق بين حدث بعلبك وفاريا، وأخرى تمر من بعلبك عبر السلسلة الى أفقا ولاسا وقرقريا وعلمات وحجولا وبشتليدا وكفرسالا باتجاه البحر وجسر الفيدار، وثالثة أنجزت حديثاً بين لاسا وقمهز، ورابعة يجري العمل عليها لتصل من بعلبك الى قمهز من دون المرور بأفقا ولاسا.
طرقات "حزب الله" في جبيل
وتقول المعلومة إن هذه الطرقات في معظمها كانت منجزة قبل حرب تموز 2006 ويعرفها العدو الاسرائيلي وأغار على بعضها.. كي لا تتهم المعلومة بكشف الأسرار امام العدو. وتضيف ان "ميزة" "الطريق الرئيسية بعلبك افقا لاسا قرقريا علمات حجولا بشتليدا كفرسالا، هي كونها تمر بقرى شيعية أو ذات "أرجحية" شيعية، وإن الربط بين لاسا وقمهز بطريق متفرعة من الطريق الرئيسية ومستقلة عنها يستهدف الاستحواذ على موقع "يطلّ" على جرد كسروان وفتوح كسروان من جهة ويستهدف تأمين طريق فرعية ذات وظيفة أمنية بالدرجة الأولى من جهة أخرى، وإن الطريق قيد الاستكمال بين بعلبك وقمهز تهدف الى الوصل المباشر بينهما من دون المرور اضطراراً بأفقا ولاسا.
..طرق تهريب وخطف
وإذ تلفت مصادر المعلومة الى جانب يتعلق بكون هذه الطرق تعوّق وتعطل أعمال المسح في منطقة جبيل، فإنها أي المصادر تركز على أن هذه الطرق تشكل ممرات لعمليات التهريب على أنواعها، مخدرات ومازوتاً وسيارات مسروقة باتجاه بعلبك الهرمل، وعلى أن بعضها يمثل طرقا يُستدرج اليها أو يُسحب اليها من يكون استهدافه مطلوباً، وعلى أن الطريق الفرعية بين لاسا وقمهز هي التي شهدت مثلاً حادثة خطف طلاب قبل فترة غير بعيدة.
وعند هذا الحد، تستنتج مصادر المعلومة أن طرقاً فتحت بعنوان "حاجات المقاومة"، تحولت مع الوقت الى مسالك لأعمال تهريب وسرقة.. ولاعتداءات أمنية.
أي "حاجة" لـ"المقاومة"؟
في ضوء هذه المعلومة الواقعة، تبدو الأسئلة كثيرة. بيد أن ثمة سؤالين رئيسيين "كبيرين".
السؤال الأول "مرّكب" هو نفسه من مجموعة أسئلة تتفرع من بعضها. ما هي حاجة "المقاومة" الى مواقع خلفية في عدد من المناطق في الوقت نفسه؟ وما حاجة "المقاومة" الى مواقع ثابتة أصلاً؟ وأين تقف حاجة "المقاومة" الى الانتشار والتمدد في العديد من المناطق؟ وهل يمكن أن تكون للتمدد حدود أصلاً؟ وهل تشكل هذه الطرق بما هي "طرق تهريب" للأسلحة أيضاً في العديد من الحالات خرقاً للقرار 1701 أم لا؟ وأي حاجات أمنية تبرر هكذا انتشار؟ الخ..
أما السؤال الثاني فهو الآتي: كيف يمكن التمييز والحالة هذه بين "سلاح للمقاومة" من ناحية و"سلاح فالت" أو "سلاح مافياوي" أو "سلاح أزعر" من ناحية ثانية، وهل يمكن التمييز أصلاً ووفقاً لأي معايير.. وهل تستطيع "المقاومة" ان تسيطر على كل شيء فلا يفلت من رقابتها شيء؟
التمييز بين سلاح وسلاح؟
من نافل القول إن الجواب أو الأجوبة عن السؤال الأول، من إختصاص طاولة الحوار الوطني التي عليها أن تبت في "امد منظور" بما يسمى الإستراتيجية الدفاعية. أي أن على طاولة الحوار الوطني أن "تلاحظ" ولو إنطلاقاً من المثال المطروح أن من الصعب "الملاءمة" بين مقاومة "مستقلة" عن الدولة وخارج الدولة وبين الدولة نفسها، وأن من الصعب "التسليم" بأن لـ"مقاومة دفاعية" إذا أقر بها مثل هذه الحاجات الدفاعية المتمددة، وأن "التسليم" بذلك يجعل سلطة الدولة على أرضها معرضة للتقلص تدريجاً، وأن هكذا "ثنائية" هي على حساب الدولة ووظائفها السيادية بكل تأكيد.
أما الجواب عن السؤال الثاني، فعلى افتراض أن "حزب الله" وافق على "مبدأ التمييز" بين "سلاح مقاومة" و"سلاح آخر"، فإنه أي الجواب ليس "أكثر سهولة". على أن الجواب عن هذا السؤال يبقى ملحاً وداهماً أكثر من الجواب عن السؤال الأول. وليس خافياً أن "مناسبة" الإصرار على تحصيل جواب، هي المعلومة الواقعة المطروحة آنفاً و"الحوادث" التي تشير اليها، والأهم أن "المناسبة" هي البحث الدائر تحت عنوان جعل العاصمة بيروت "مدينة آمنة" منزوعة السلاح، في ظل حرص بعض الجهات السياسية على التمييز بين "سلاح مقاومة" ينبغي عدم التعرض له.. في بيروت! وبين "سلاح زعرنة" صار المطلوب تعريفه تعريفاً لـ"الزعرنة"!.
عصابات ومافيات.. وفساد
على أنه، ومن أجل المساهمة في النقاش توصلاً الى جوابَين عن السؤالين المثارين، تقتضي الإشارة الى أن لـ"حزب الله" مصلحة في الأخذ ببعض الحقائق، أهمها حقيقة أن تمدّده الجغرافي الأمني العسكري بات مجالاً لـ"إحتماء" العديد من الظواهر "السيئة" بهذا التمدد.
أخذاً في الإعتبار المعلومة الواقعة على خط بعلبك جبيل، ينبغي القول بدون تردد إن تمدد "حزب الله" مواقعَ وسلاحاً يشكل تربة خصبة لنمو الفساد حول "حزب الله" وعلى ضفافه وربما تربة لنمو "مصالح فاسدة" عنده.
ثمة عصابات تتلطى بهذا التمدد لتمارس أعمالاً مافيوية. ثمة ميليشيات تستفيد من عنوان "دعم المقاومة" و"تأمين ممراتها" لتحقيق مكاسب مالية وغيرها.
وأن يكون ذلك حاصلاً، أي أن تتلطى مافيات وأن يتلطى مهربون بـ"المقاومة" أو أن تنشأ "علاقة تبادلية" بين المافيات والعصابات من جهة و"المقاومة" من جهة أخرى، فذلك ليس أمراً جديداً في التاريخ. ففي التجارب التاريخية، في لبنان، أن "مقاومات" إنتهى بها الأمر الى الفساد تغطية له ومشاركةً فيه واستفادة منه، فنخرها الفساد في "أماكن حساسة" منها.
مصلحة "حزب الله"
بكلام آخر، إن لـ"حزب الله" مصلحة في "الحسم" مع هذا الموضوع الذي من شأن استفحاله أن يقيم حالة ميليشياوية مافيوية فاسدة على ضفاف "المقاومة" و"مختلطة" بها احياناً عدة.
لذلك، وعلى إفتراض أنه يمكن التمييز بين "سلاح مقاومة" و"سلاح آخر" خصوصا في مرحلة تبدو "قضية" السلاح غير واضحة، فإن مصلحة "حزب الله" تقضي بالتخلص من الظواهر السيئة، وذلك بتمكين الدولة من الاضطلاع بأدوارها وفرض الأمن وتفكيك العصابات ونزع "السلاح المتمدد"، أي أن "الدولة" مصلحة لـ"حزب الله". إذ ذاك يمكن لبيروت مثلاً أن تُصبح منزوعة السلاح لأن التمدد فيها لا يفيد بل مضرّ، ويمكن لجبيل فعلاً أن تصبح هي أيضاً منطقة آمنة في كل المجالات.
فهل من ضرورة للتأكيد بعد كل ذلك أن "مسألة السلاح" تتم "مصادفتُها" في كل جوانب الحياة في لبنان وميادينها؟




















