لا شك أن انتخاب باراك أوباما رئيساً للولايات المتحدة الأمريكية دل على ما يعتلج في المجتمع الأمريكي من مشكلات تفاقمت مع الزمن، وانحدرت فيها سمعة الدولة إلى الحضيض بفضل سياسات جورج بوش الولد، ومن سبقه من المتصهينين الأمريكيين، وهم ليسوا قلة،فكان انتخاب أوباما ذو البشرة السوداء ظاهرة غير عادية وسط تيار غير قليل من المتطرفين الأمريكيين البيض،الذين لا زالت ترتسم في مخيلتهم صور أجدادهم الذين قدموا من شتى أصقاع القارة الأوربية فذبحوا السكان الاصليين من الهنود الحمر ذبح النعاج ،وشنوا عليهم حملة ظالمة من التشهير والتشويه لصورتهم على ساحة العالم أجمع ،حتى اقاموا إمبراطوريتهم الأمريكية .
وللحقيقة والتاريخ فإن من يتتبع مجمل كلام الرئيس الجديد للولايات المتحدة الأمريكية ،يستطيع أن يلمس فيه صدق الحديث،والرغبة في التغيير،إلا ان السؤال الكبير الذي علينا أن نطرحه هنا: ما هي إمكانية الرئيس لوحده في أحداث التغيير؟ذلك أنه كما هو معلوم فإن الدولة لا يسيرها شخص واحد،كما في عالمنا المتخلف وإنما مؤسسات وأجهزة وقوانين ،ويتربع القضاء فوق كل المؤسسات ليبسط هيمنة القانون.
قد يستطيع أوباما أن يحدث تغييراً ولكن هذا التغيير لا يمكن أن يكون جذرياً وحاسماً وخاصة في السياسة الخارجية ،وبالتالي فالمطلوب منا أن نستوعب إمكانيات الرئيس ثم نحاول النفوذ من هذه الإمكانيات في محاولة للضغط من أجل تحقيق بعض المكاسب فيما يخص السياسة الأمريكية الخارجية المتعلقة بالشرق الأوسط تحديداً.
الملفت للنظر أن وزيرة الخارجية الأمريكية هيلاري كلينتون في سلسلة خطاباتها مؤخراً، استعملت سياسة الإملاءات للعالم العربي حيث طالبته "باتخاذ تدابير ملموسة باتجاه التطبيع مع ما يسمى"دولة إسرائيل" والواقع فإن من الغريب حقاً أن تطالب وزيرة الخارجية مجموع الدول العربية باتخاذ خطوات للتطبيع مع " كيان إسرائيل" الذي لا يعتبر دولة حتى الآن في نظر القانون الدولي،فهذا الكيان ليس له دستور ولا حدود ،فكيف يمكن لوزيرة الخارجية الأمريكية أن تطالب بتطبيع بين"دول"و"لا دولة" وإنما كيان غاصب لا يتمتع بمفهوم الدولة وأن تبوأ مقعداً في الأمم المتحدة .
ومن جهة أخرى فإن سياسة الإملاءات التي كانت تمارسها الإدارات الأمريكية السابقة ،نراها تعود من جديد على لسان وزيرة الخارجية،فهل هناك تضاد بين توجه الرئيس الذي دعى للحوار وتوجه الوزيرة في هذه النقطة؟
كذلك قالت كلينتون "أن نتوقع أعمال من جانب إسرائيل ،ولكن نقر بأن هذه القرارات صعبة سياسياً "وهكذا التمست العذر مسبقاً للكيان الصهيوني الغاصب، في حين طالبت بالتطبيع "مجاناً" من الجانب العربي ،وكأنها لا تعلم رفض الأمة بمجموعها لإجراء أي تطبيع مع الكيان الصهيوني الغاصب ،حتى لو تم توقيع أي اتفاق أو معاهدة ،ذلك أن هذا الكيان اغتصب الأرض بمساعدة الغرب وقام على فكرة الإبادة والترحيل ،تماماً كما قامت دولة الولايات المتحدة الأمريكية على أرض الملاك الأصليين من الهنود الحمر .
ثم أليس على الإدارة الأمريكية الجديدة أن تلحظ في أثناء سعيها لإنقاذ مايسمى "عملية السلام ":
1- وجود أكثر من عشرة آلاف فلسطيني في سجون الاحتلال ،اعتقلوا بسبب دفاعهم المشروع عن أرضهم المستلبة .
2- استمرار الاحتلال الاستيطاني للضفة الغربية ،وإقامة الحواجز التي تمنع حركة الفلسطينين على أرضهم المحتلة.
3- جرائم المستوطنين المتواصلة ضد الفلسطينين والمدعومة من حكومة الكيان الصهيوني.
4- حصار غزة الذي مضى عليه أعوام منذ الانتخابات الديمقراطية التي جرت في الأراضي المحتلة ثم قيام الكيان الصهيوني بهدم المباني وتدمير البنى التحتية والتي لا يستطيع الفلسطينيون حتى الآن إعادة ما تهدم تحت سمع العالم وبصره ومشاركة العديد من دوله .
5- الاستمرار في قضم الأراضي الفلسطينية وأقامة المستوطنات والجدار العازل.
كل هذه الأمور لم تمر في خاطر الإدارة الأمريكية ولم نسمع بأن هذه الإدارة طالبت الكيان الصهيوني المغتصب باتخاذ خطوة أو بادرة حسن نية في حلحلة هذه النقاط السابقة ،حتى نستطيع أن نقول:لقد تحرك قطار السلام!!!
المؤسف أن الحكومات العربية أعطت ولا تزال تعطي الكيان الصهيوني ذريعة لتعنته ،فقد تقدمت الدول العربية بالمبادرة المعروفة في مؤتمر قمة بيروت متضمنة خطوة في الاتجاه الخاطئ ،إذ طالبت الكيان الصهيوني بالانسحاب حتى حدود 4 حزيران 1967 دون أن تلحظ بأن الأراضي التي احتلها الكيان الصهيوني بين عامي 1948 و1967 هي أيضاً أراض محتلة بنظر القانون الدولي ،وما القرارات العديدة التي صدرت عن الأمم المتحدة ومجلس الأمن بضرورة انسحاب "إسرائيل" مما احتلته من أراض خارج قرار التقسيم وعودة اللاجئين الفلسطينين إلى ديارهم إلا خير شاهد على ذلك .
إن الحكومات العربية بمبادرتها أنفة الذكر قد أغفلت هذه الناحية ،وأعطت شرعية احتلال الكيان الصهيوني للأراضي خارج أراضي التقسيم ،ومن هنا فكيف لنا أن نطالب باراك أوباما بأن يدفع باتجاه إنهاء الصراع الدائر حول القضية الفلسطينية، بينما يتسم موقف الدول العربية بالضعف والهزال ؟بل وينتقل من تنازل إلى آخر في حين أن الكيان الغاصب يزداد تشدداً وتعنتاً، والإدارة الأمريكية لم تضع يدها حتى الآن على مكمن الداء، في حين أن وزيرة خارجيتها تعبر عن صعوبة القرارات التي على الكيان الصهيوني اتخاذها ،بمعنى أن قرارات الغاصب المحتل هي صعبة بينما ما يملى على الجانب العربي لا يتسم بأية صعوبة .
من هنا فإن انهاء الصراع الفلسطيني الصهيوني مهما قيل لا زال يسير في طريق مسدود،والمقاومة هي الطريق الوحيد لبلوغ الهدف مهما اعترض طريقها من صعوبات .




















