حدثان ميّزا المشهد الداخلي أمس: سفر رئيس الوزراء المكلف سعد الحريري الى فرنسا في اجازة لـ"التأمل السياسي"، ووصول وزير الاعلام والثقافة السعودي عبد العزيز خوجة الى بيروت موفدا من العاهل السعودي الملك عبدالله بن عبد العزيز لاستيضاح رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي النائب وليد جنبلاط مواقفه الاخيرة.
وعلى هامش هذين الحدثين عاد رئيس حكومة تصريف الاعمال فؤاد السنيورة الى الواجهة مؤكدا ثوابت 14 آذار، فيما بدا رئيس مجلس النواب نبيه بري و"حزب الله" مهتمين بمصير الصيغة التي انتهى اليها قطار تأليف الحكومة وما ستؤول إليه في ظل التحولات التي أطلقتها المواقف الجنبلاطية.
الحريري
وكان أذيع رسمياً قبل ظهر أمس ان الحريري سافر مساء الاثنين الى "جنوب فرنسا لتمضية اجازة عائلية". وفي الحال تسارعت الاتصالات لتوضيح أسباب ابتعاد رئيس الوزراء المكلف عن البلاد في غمرة أزمة سياسية بالغة الدقة.
وعلمت "النهار" من مصادر الحريري ليل أمس انه انضم الى عائلته على متن يخت في جنوب فرنسا حيث عزل نفسه عن كل اتصال، وهو ما شمل مساعديه هاني حمود ونادر الحريري اللذين رافقاه في سفره. وقالت المصادر انه "يعكف حاليا على التفكير مليا في التحول الكبير الذي طرأ على مواقف النائب جنبلاط ودرس الواقع السياسي ليبني على الشيء مقتضاه".
السنيورة
وفي قريطم، رأس الرئيس السنيورة اجتماعا لكتلة "المستقبل" النيابية أفاد خلاله ان سفر الحريري "يهدف الى أخذ مسافة فعلية عن حرارة الجدل الدائر حول التكوين السياسي لقوى 14 آذار وكذلك عن المشاورارت في شأن تأليف الحكومة".
وقال السنيورة خلال الاحتفال بوضع حجر الاساس لشارع فؤاد بطرس في الاشرفية: "ان انتفاضة الارز لحظة لخّصت كل تاريخنا الذي نعتز ونفخر به في وطن أردناه ونريده (…) وطنا فريدا حرا عربيا متألقا منارة للشرق والغرب".
جنبلاط – خوجة
وكان الوزير خوجة وصل عصر أمس الى بيروت على متن طائرة خاصة آتيا من المغرب حيث يمضي العاهل السعودي الملك عبدالله بن عبد العزيز اجازته. وهو زار النائب جنبلاط في منزله بكليمنصو. وصرح جنبلاط لـ"النهار": "كان الاتفاق قائما على دعم جهود تشكيل الحكومة وتنقية الاجواء بما يعزز مسيرة الوفاق والاستقرار".
وعن ردود الفعل على مواقفه الاخيرة قال: "قررت أن أعتكف عن كل تصريح في انتظار مرور العاصفة وسوء التأويلات والتفسيرات لمواقفي في الجمعية العمومية للحزب الاشتراكي".
واتصل خوجة هاتفيا بالرئيس السنيورة وتشاورا في التطورات على ان يلتقيا لمزيد من البحث.
وفهم أن الوزير السعودي حمل رسالة من الملك عبدالله الى النائب جنبلاط تتضمن استيضاحا لأبعاد ما اتخذه من مواقف وما ستؤول اليه الامور في المرحلة المقبلة.
وقالت جهات في المعارضة مواكبة لتأليف الحكومة ان زيارة خوجة كانت متوقعة في هذا الوقت وخصوصا بعد المواقف الاخيرة لجنبلاط. وأضافت انه يبدو ان موفد الملك عبدالله حضر للتدقيق من قريب في آخر ما وصلت اليه الامور في لبنان ومعرفة أين سيقف جنبلاط في الخريطة السياسية للبنان سواء انضم فعلا الى جانب رئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان ام دخل في صفوف 8 آذار. ولفتت الى ان جنبلاط بقي محافظا على علاقته مع السعودية ولم يتناولها بأي نقد على نقيض ما فعله مع مصر. وأوضحت ان أحدا لا يستطيع ان يقول ان سوريا هي وراء المخطط الذي أقدم عليه جنبلاط لان كثرا سبقوه الى دمشق. واستغربت كيف ان جنبلاط لم يتعرض لأي انتقاد سعودي أو أردني او أميركي، كما أن الموقف المصري لم يكن حادا.
بري
وسألت "النهار" الرئيس بري عن زيارة الحريري لفرنسا وتأثيرها على تاليف الحكومة فاجاب: "سجلوا انه مهما دارت الامور والايام فان الحكومة ستؤلف وسترسو في النهاية على الصيغة التي اتفق عليها سائر الافرقاء".
واعتبرت مصادر بري ان "ما حدث زوبعة وأزمة، لكننا سنتجاوزهما. فالامور لم تصل الى حائط مسدود وعملية ولادة الحكومة لن تطول كثيرا".
وكان بري تبلغ من الحريري قبل الازمة انه مضطر الى الذهاب الى فرنسا لان هناك مناسبة عائلية تستدعي حضوره. ويعتقد بري ان غيابه "لن يطول اطلاقا". وخلص الى "ان مسألة تأليف الحكومة لن تتعدى الايام القليلة".
وقالت اوساط في المعارضة انها "مع اكمال الحريري مهمته، اما اذا كان هدف البعض التلويح بعودة الرئيس السنيورة وتسميته رئيسا للحكومة فهذا الامر يدخل في خانة المستحيلات".
"حزب الله"
ووصف نائب الامين العام لـ"حزب الله" الشيخ نعيم قاسم مواقف جنبلاط الاخيرة بانها "مهمة (…) وننظر اليها بإيجابية".
واكدت مصادر قريبة من الحزب ان ما عبر عنه الشيخ قاسم يعني ان الحزب "مصّر على التزام الاتفاق الذي تم ابرامه لتأليف حكومة الوحدة الوطنية"، بالمواصفات والمقاييس نفسها، وعليه فان تداعيات الحدث الجنبلاطي يجب ان تكون معزولة عن مسألة تأليف الحكومة".
14 آذار
وقالت مصادر في قوى 14 آذار لـ"النهار"، تعليقا على ما صدر عن اوساط النائب جنبلاط من مواقف تشرح ان كتلته النيابية لا تزال ضمن الاكثرية: "هذا ليس كافيا لتوضيح ما صدر عن جنبلاط بالصوت والصورة الاحد الماضي".
بعبدا
ولاحظ بعض العاملين على خط التأليف الحكومي ان ملف الحكومة الجديدة قد جمد اقله خلال هذا الاسبوع بفعل الصدمة الجنبلاطية. وعلم ان حركة الاتصالات التي شهدها القصر الجمهوري والمتواصلة منذ الاحد الماضي، قد صبت كلها في خانة استيعاب ما حصل والعمل على معالجة تداعياته بهدوء وترو بما يؤدي الى حل مشكلة التاليف الحكومي في وقت قريب.
وعلم ان رئيس الجمهورية سيتابع خلال هذا الوقت اتصالاته مع كل القيادات في الموالاة والمعارضة، من اجل العمل على معالجة حال الارباك السياسي التي طرأت لدى كل الافرقاء وخصوصا فريق 14 آذار.
كما فهم ان هذه المعالجة تحتاج الى بعض الوقت من اجل معاودة مسيرة التأليف الحكومي، وتحديد اي الخيارين يجب اعتماده في عملية التأليف: المحافظة على صيغة حكومة الوحدة الوطنية التي اتفق عليها، ام ايجاد معادلة جديدة غير واضحة لدى احد حتى الآن.
وتوقع زوار بعبدا ان تحمل الساعات المقبلة مزيدا من الوضوح في الرؤية لدى المعنيين، خصوصا ان الجميع التزموا التهدئة والابتعاد عن ردود الفعل اضافة الى سعي اوساط كل من جنبلاط وقوى 14 آذار الى توضيح الموقف وتخفيف حدته، الامر الذي يتوقع ان يؤدي، بعد ان يأخذ مداه الطبيعي، الى اعادة ترتيب الاوراق السياسية ومعاودة البحث في التشكيلة الحكومية.
"النهار"




















