عادت الازمة الحكومية الى نقطة الصفر دستورياً مع اعتذار رئيس الوزراء المكلف سعد الحريري عن تأليف الحكومة. فهل يعني ذلك ان الوضع السياسي عاد معها الى انقسام اشد حدة وعمقاً بعد تجربة الايام الـ73 من الجولات والمناورات والمماحكات والشروط والشروط المضادة والتي لم يتخللها سوى تفاهم يتيم على صيغة 15 – 10 – 5 التي اضحى مصيرها هي ايضا على كف المجهول؟
مع ان السيناريو الدستوري الذي سيعقب خطوة الاعتذار من حيث اعادة الاستشارات للتكليف والتأليف صار معلوما، فان الاتصالات والمشاورات التي انطلقت بعد ظهر امس لم تتناول هذا الشق وحده بل تركز جانب اساسي منها على ضمان استمرار التهدئة السياسية في حدودها القصوى التي كانت سائدة خلال عملية تكليف الحريري.
واذ بدت اعادة تكليف الحريري ثانية خيارا حصريا لا ينازعه اي خيار آخر، على رغم ما تردد عرضا من هنا وهناك عن خيارات بديلة محتملة، لوحظ ان معظم المراجع الرسمية والسياسية حاذر الاغراق في استباق العملية الدستورية الجديدة وطرح الافتراضات المتصلة بالتكليف الجديد وما بعده، مما عكس مناخا بالغ الالتباس والغموض في المرحلة المقبلة.
تناقضات صعبة
واجملت مصادر واسعة الاطلاع لـ"النهار" طبيعة الاتصالات الجارية بانها تجري من خلفية السعي الى التمسك بمجموعة تناقضات صعبة. فمن جهة يسلم الجميع بان الاعتذار كخطوة دستورية اوقفت لعبة تقاذف الكرة من مرمى الى آخر، ووضعت الازمة الحارقة في احضان جميع القوى والمراجع. ومن جهة اخرى سيسعى كل من الفريقين الى التمسك بالسقوف العالية التي بلغتها الازمة في صفحتها السابقة لينطلق منها الى سقوف اعلى في المرحلة المقبلة.
ففريق الغالبية، كما لم يتأخر في اعادة تأكيده تسمية الحريري رئيسا مكلفا مرة ثانية، لم يخف انه لن يقبل هذه المرة باستمرار قواعد اللعبة نفسها التي حكمت التكليف الاول بل ذهب بعض الاصوات فيه الى التلويح بتبديل الصيغة التوافقية التي كانت اساس العملية الاولى.
اما فريق المعارضة فراوحت سقوفه بين تحبيذ "التيار الوطني الحر" عدم تكليف الحريري ثانية، واصرار "حزب الله" على التمسك بالثلث المعطل وصيغة 15 – 10 – 5، كحد ادنى لحكومة الوحدة الوطنية المقبلة.
وحافظ رئيس مجلس النواب نبيه بري على "صيامه" الكلامي مستعيضا عنه باتصالات مفتوحة مع الافرقاء.
جنبلاط المهدئ
وكشفت مصادر قريبة من الحزب التقدمي الاشتراكي لـ"النهار" ان رئيس الحزب و"اللقاء الديموقراطي" النائب وليد جنبلاط مضى في الاضطلاع بدور التهدئة، اذ بدا هاجسه الا تعود الاوضاع السياسية الى نقطة الصفر كما عادت اليها الاوضاع الدستورية في شأن تأليف الحكومة.
واوضحت ان جنبلاط يحض على التشبث بحكومة وحدة وطنية والاهتمام بعدم حصول ارتدادات سياسية او حملات وحملات مضادة تكون انعكاسا سلبيا لخطوة الاعتذار، اذ انه يعتبر ان خطوة الحريري كانت دستورية ويفترض الا تكون لها ارتدادات سياسية او امنية، وهو يجري اتصالاته ومساعيه لضمان هذا الهدف.
واعتبر جنبلاط، في تعليقه على اعتذار الحريري امس، انه كان على المعارضة ان تكون اقل قسوة في مطالبها. لكنه تمنى لو تريث الحريري في تقديم اعتذاره عن التأليف. وقال لمحطة "المنار" التلفزيونية التابعة لـ"حزب الله" ان "هناك قوى خارجية لها مصلحة في ما حدث ولا تريد ان يحصل اللقاء بين سوريا والسعودية للمحافظة على الطائف". ورأى انه "يجب اللجوء الان الى الاصول الدستورية من خلال الاسراع في الاستشارات النيابية الملزمة".
سليمان وبري
وفيما يتوقع ان يعود رئيس الجمهورية الى قصر بعبدا في عطلة نهاية الاسبوع منهيا اقامته القصيرة في قصر بيت الدين، علمت "النهار" ان اتصالات جرت بعد ظهر امس بين الرئيس سليمان والرئيس بري في شأن تحديد موعد البدء بالاستشارات الرئاسية للتكليف.
وعلمت "النهار" ان الرئيس سليمان سيحدد الاحد على الارجح موعدا للاستشارات بعد لقاء يجمعه وبري.
وقالت لـ"النهار" أوساط بارزة في المعارضة واكبت اللقاءات والاتصالات التي جرت مع الحريري ان "ما رافق الايام الاخيرة اصبح وراءنا ويبقى المهم ان يلتزم الجميع اليوم الآلية الدستورية لتأكيد تأليف حكومة وحدة وطنية توفر الشركة وتنتج عن حوار بنّاء حقيقي".
الحريري
في غضون ذلك قالت اوساط قريبة من الحريري لـ"النهار" انه بدأ بعد اعتذاره مرحلة تقويم لآفاق المرحلة المقبلة استناداً الى ما اعترضه من عراقيل في مرحلة التكليف، وقد بدأ مشاورات مع كتلته النيابية ستتبعها مشاورات مع سائر حلفائه في قوى 14 آذار، وفي ضوء هذه المشاورات سيرى ما هو الافضل للمرحلة المقبلة، وهل يكون هو المرشح ليقبل التكليف ام شخص آخر. واكدت انه في حال قبوله التكليف ثانية فستكون له شروطه وليس اقلها عدم افتعال العراقيل في وجهه وعدم تكرار التجربة السابقة التي كانت اقرب الى العرقلة منها الى الحوار.
ويرجح ان تعقد "كتلة المستقبل" النيابية اجتماعاً قريباً لتحديد موقفها من اعادة تكليف الحريري، ومن ثم تجتمع قوى الغالبية للغرض عينه. ويتوقع ان ترشحا الحريري مرة ثانية لتأليف الحكومة.
وقال الحريري في كلمة القاها في افطار مساء امس: “اننا مددنا يدنا وقلنا اننا نريد الحوار ولكن يبدو انه كان هناك مفهوم خاطئ للديموقراطية لدى اخواننا في الاقلية. وبعدما تنازلت الغالبية عن امور عدة قابلوا هذه الخطوات بوضع الشروط وقالوا ان علينا ان نسير بها والا لن تشكل الحكومة مما ادى الى تقديم اعتذاري". واعتبر "ان هناك مكاناً ما يجب ان نتوقف عنده عن تقديم التضحيات. وخلال الايام الـ 73 الماضية اضعنا على لبنان الكثير من الفرص". وشدد على "تهدئة الخطاب السياسي قليلاً"، قائلاً: "نحن مقبلون على ايام من المشاورات. وانا سأضع النقاط على الحروف ونستطيع ان نقول ذلك بهدوء ومن دون تحد او تهديد".
وتلقى الحريري دعماً واضحاً من الرئيس نجيب ميقاتي الذي رأى ان استمرار تعطيل تأليف الحكومة "بمواقف متصلبة وعناد غير مبرر بات يتجاوز استهداف شخص الرئيس المكلّف الى استهداف مؤسسة مجلس الوزراء دوراً وصلاحيات". وقال: "اننا لن نسمح بأي محاولة للعبث بوفاقنا الوطني وبالتوازنات الدستورية القائمة". واعلن ميقاتي، عقب اجتماع لنواب طرابلس مساء، التضامن مع الحريري قائلاً: "اذا كان القرار الذي سيتخذ بتسمية الرئيس المكلف مجدداً فنحن مع الرئيس الحريري لتكليفه مجدداً".
أصداء دولية
واثار اعتذار الحريري ردود فعل دولية كان ابرزها للامين العام للامم المتحدة بان كي – مون الذي نقل عنه مراسل "النهار" في نيويورك اسفه لان "هذه اللحظة اثبتت انه يستحيل تأليف حكومة جديدة في لبنان"، آملاً في ان تؤدي الاستشارات النيابية الجديدة التي سيجريها الرئيس ميشال سليمان الى تأليف "حكومة وحدة" وطنية.
ورداً على سؤال عن اعتذار الحريري عن تأليف الحكومة، تلت الناطقة باسم بان كي – مون بياناً مقتضباً جاء فيه ان "الامين العام يأسف لان هذه اللحظة اثبتت انه يستحيل تأليف حكومة جديدة في لبنان". واضاف ان بان "يأمل في ان الاستشارات التي سيجريها الرئيس ميشال سليمان مع كل الاطراف ستنجح، وان اللبنانيين سيواصلون العمل في اتجاه الوصول الى حكومة وحدة" وطنية. واكد البيان، ان المنسق الخاص للامم المتحدة في لبنان مايكل وليامس "سيستمر في التحادث مع كل الاطراف وتشجيعهم على العمل في هذا الاتجاه".
وفي واشنطن (و ص ف) أعلنت وزارة الخارجية الاميركية ان قرار الحريري الاعتذار عن تأليف الحكومة لن يثير قلقاً في هذه المرحلة في الولايات المتحدة. وقال الناطق باسم الوزارة فيليب كراولي: "اعتقد اننا لن نشعر بالقلق في الوقت الراهن". واضاف "نأمل بالتأكيد في ان يتحاور جميع الاطراف في لبنان بهدوء لان من المهم تأليف حكومة وان تعمل هذه الحكومة… نأمل في ان يخرج الطرفان سريعاً من المأزق ويحترما العملية التي ينص عليها الدستور اللبناني" من اجل "تأليف حكومة في اقرب وقت ممكن".
وفي باريس ("النهار") قال رئيس الوزراء وزير الخارجية القطري الشيخ حمد بن جاسم بن جبر آل ثاني، عقب اجتماعه امس مع الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي، ان محادثاتهما تناولت الملف اللبناني "ونحن ننتظر الرئيس المكلّف للوصول الى نتائج مع باقي الاطراف وبالذات المعارضة". وجاءت ملاحظاته هذه قبيل اعلان الحريري اعتذاره عن تأليف الحكومة. ورداً على سؤال عن امكان عقد مؤتمر دوحة جديد للبنان قال: "اتمنى ان يجدوا حلاً ونحن نساعدهم في كل ما نستطيع".







