سميح صعب
يتعرض رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي لمزيد من العزلة في الداخل من دون ان يلقى تعويضاً خارجياً ملموساً لاندفاعه نحو المواجهة مع سوريا. وقد كشف بيان مجلس الرئاسة الذي حض على احتواء الأزمة مع سوريا، عن تباين واضح في موقف القيادة السياسية العراقية حيال طريقة التعامل مع دول الجوار عموماً، وسوريا خصوصاً.
وثبت حتى الآن ان المواجهة مع سوريا لم تلق التأييد المطلوب لدى قطاعات واسعة من السلطة والاحزاب العراقية. كما انها لم تحظ بغطاء عربي. وحتى مصر التي تمر علاقاتها بفتور مع سوريا سارعت الى اتخاذ موقف داعٍ الى حل للازمة بالحوار.
كما ان المناخ الاقليمي لم يكن مساعداً للمالكي في تصعيده حيال سوريا والذي كان عنوانه الاساسي تشكيل محكمة جنائية دولية من اجل النظر في تفجيرات "الاربعاء الدامي". فايران وتركيا انخرطتا منذ اليوم الاول للأزمة في مساعي التهدئة.
ودولياً نصحت واشنطن وباريس المالكي بحل الازمة من طريق الحوار. وهذه التطورات جعلت رئيس الوزراء العراقي وحيداً في مواجهة ربما أخطأ في اختيار توقيتها، او في اختيار موضوعها. وهذا ما ارتد على الرجل الذي أراد من خلال الازمة الحالية ان يفرض حضوراً قوياً على الساحة السياسية التي بدأت تضيق به مع اقتراب الانتخابات العامة وبروز تكتلات سياسية خارجة عن سيطرته.
لقد أراد المالكي ان يلقي بالمسؤولية عن الوضع الامني الذي يزداد تعقيداً منذ الانسحاب الاميركي من المدن في 30 حزيران، في اتجاه الخارج ونحو سوريا تحديداً. وهو اعتقد ان تفجير أزمة مع سوريا من شأنه ان يتحول موضوعاً مغرياً لواشنطن التي طالما القت بالمسؤولية في الهجمات التي تحصل في العراق على المتسللين من سوريا. بيد انه فوجئ بموقف اميركي مغاير تضمن الحض على الحوار مع سوريا وليس الذهاب الى التصعيد.
وخطأ المالكي في الحسابات سلط الضوء على محور اقليمي عماده سوريا وايران وتركيا. فالعلاقات المميزة التي تقيمها دمشق مع كل من طهران وانقرة، كان الدافع الابرز اليها الركود العربي الذي طبع مرحلة ما بعد الغزو الاميركي للعراق، وتعثّر عملية السلام في الشرق الاوسط.
وأتاح الركود العربي لكل من تركيا وايران ان تضطلعا بادوار اقليمية اوسع وتتوسلا انسداد الافق امام عملية التسوية رافعة لتعزيز دوريهما الاقليمي.
ولم يأتِ الدور التركي في المفاوضات غير المباشرة بين سوريا واسرائيل من فراغ، بل كان امتداداً طبيعياً لحيوية سياسية في مقابل استقالة دول عربية من ادوارها او الاكتفاء بحياد سلبي حيال ما يجري، ولا سيما في فلسطين ولبنان.
ان تعلق سوريا بالحيوية التركية والايرانية في المنطقة شكل خياراً ساعد في فك العزلة الدولية التي حاول الرئيس الاميركي السابق جورج بوش فرضها على دمشق بعد اتهامها باداء دور سلبي في لبنان وفلسطين والعراق.
وبعد وصول باراك اوباما الى البيت الابيض، انخرطت واشنطن في حوار لم يتضح الى اين سيفضي، لكن المهم هو انه مثّل اقلاعاً عن سياسة سلفه جورج بوش في هذا الشأن. كما ان الاتحاد الاوروبي بات اكثر انفتاحاً على سوريا، وهو يتجه الى توقيع اتفاق الشراكة معها قريباً.
من هنا يبدو ان المالكي اختار التصعيد مع سوريا في وقت ينفتح الكل عليها، وفي وقت تحظى دمشق باحتضان اقليمي من طهران وانقرة. وفضلاً عن ذلك لا يبدو قرار التصعيد مع سوريا محل اجماع في الداخل العراقي، ولا على الساحة العربية او الدولية.
لقد حاول المالكي السباحة عكس التيار!




















