وسام سعادة
بموجب صيغة "15-10-5" تنازلت الأكثريّة عن أكثريّتها ضمن مجلس الوزراء في مقابل ارتضاء الأقليّة بطابعها كأقليّة وتخلّيها عن الثلث المعطّل في هذا المجلس. كان يُفترض بموجب هذه الصيغة أيضاً تعزيز الدور التوفيقيّ الترجيحيّ لرئيس الجمهوريّة، وبالتالي حسم الجدل الخفيّ حيناً، والمجاهر به حيناً آخر، حول السمة التوافقية لرئاسة الجمهوريّة عموماً، والرئيس الحاليّ خصوصاً، لصالح تثبيت معادلة أنّ هذه السمة لا تعني تعطيل المقام الأوّل في الدولة اللبنانية وإنّما منحه دوراً تحكيميّاً ترجيحيّاً بوصفه "قابضاً على أزّمة الحكم" وفقاً للمفردات الدستوريّة، وبما من شأنه تفادي أو تجاوز أي مأزق تعطيليّ يطول أمده ولا تعود للناس من طاقة على تحمّله.
بيد أن المشكلة نشأت مع "التفاوت في الوضوح" حول هذه الصيغة. ففي حين قبلت الأكثريّة خسارتها لطابعها كأكثرية نصف زائد واحداً داخل الحكومة ظلّت الأقليّة تدور في فلك أمر واحد: التراجع عن تراجعها عن "الثلث المعطّل". ومن هنا تبيّن أنّه إذا كان مأزق الأكثرية بعد الانتخابات عجزها عن الترجمة العملية لانتصارها الانتخابيّ من خلال تشكيل حكومة تعكس هذا الانتصار، فإن مأزق الأقليّة هو عجزها عن إعادة فرض "الثلث المعطّل" وعجزها في الوقت نفسه عن التخلّي عنه. وقد جاءت معادلة الوزير محمد فنيش حول "الثلث المعطّل بشكل أو بآخر" لتعكس هذه المحنة بوضوح، مباشرة بعد اعتذار الرئيس المكلّف.
والمأزق يكبر عند 8 آذار لأن "الثلث المعطّل بشكل أو بآخر" لا يستقيم. أساس فكرة "الثلث المعطّل" هو المجاهرة به، وتكريسه، والتغني بامتلاكه في الليل وفي النهار، والتهديد باستخدامه كيفما اتفق ومهما كانت الأسباب، بل إن الشكل الرئيسيّ لاستخدامه هو دائماً التهديد باستخدامه، وكل ذلك لا يمكن تأمينه من خلال نظرية "الثلث المعطّل بشكل أو بآخر".
لكن المسألة تبقى: من يستفيد أكثر من مأزق الآخر؟ الأكثريّة أم الأقلية؟
الأقلية تعتبر أنّها أكثر قدرة على الاستفادة من مأزق الأكثريّة ما دامت تؤثر "المعاندة" على أي منطق آخر. فهذه الأقلية، أو أي فريق منها، يمكنه أن يختار أي مسألة فرعية أو ثانوية، ويعاند عليها، ويعطّل حال المؤسسات والبلد على أساسها. تتعامل هذه الأقلية إذن مع البلد ومع النظام السياسيّ ومع نفسها على أنّها "نفوذ أجنبيّ" محض يمارس نشاطاً معادياً على أرض أجنبية، وفي الوقت نفسه تخلط هذه الأقلية بين "خصم الداخل" وبين "عدو الخارج".
بطبيعة الحال، ليست مصلحة الأكثرية أن تبحث دائماً عن العناد في وجه العناد، والنكاية لصدّ النكاية، إلا أنه ليس من مصلحة الأكثرية أبداً أن تعطّل نفسها بنفسها من خلال وظيفة "أم الصبيّ" المستعدة دائماً للتضحية بالغالي وبالنفيس. من واجب الأكثرية ومن مصلحتها أن تكون قادرة أيضاً على "تعطيل التعطيل" من خلال الردّ على التعطيل بالتعطيل المضاد، وعلى أساس التزام التعطيل المضاد بأحكام الدستور اللبنانيّ. بمعنى آخر، إذا كانت الأقلية تقول "لعيون جبران باسيل لن تقوم حكومة"، فلا بأس للأكثرية لو قالت "لعيون الـ 71 فائزاً في الانتخابات النيابية، ولعيون جماهير 14 آذار، ولعيون شهداء ثورة الأرز، لن تقوم حكومة فيها جبران باسيل ولو انتظرنا مئة عام!". آن الأوان لخروج الأكثرية من دوامة "الخوف من التعطيل".
نعم، في حالات معيّنة ينبغي للأكثرية أن تقول أشياء من هذا القبيل. وضعية "أم الصبي" تكون مفيدة في أحيان كثيرة، وليس في كل الأحيان. في بعض المرّات لا بأس بمنطق من قبيل: "التعطيل مثلما هو سلاح لكم فهو أيضاً سلاح عليكم". بل أكثر: كل يوم يتمادى فيه التعطيل هو يوم يعيد التسليط على القضية المركزية على جدول أعمال اللبنانيين، قضية "السلاح المعطّل" لقيام الدولة اللبنانيّة، والسلاح المهدّد بتفكيك الكيان اللبنانيّ. كل يوم تعطيل إضافيّ هو يوم يظهر للعالم أجمع حقيقة الأزمة اللبنانية. جرى استحقاقان انتخابيان بعد الانسحاب السوري من لبنان، عام 2005 ثم عام 2009، وفي كل مرة كان سيف التعطيل بالمرصاد، بمبرّر أو من دون، وكل هذا يعني شيئاً واحداً في نهاية الأمر، وهو ارتباط كل بند من القرار 1559 بسواه من البنود.




















