في عالمنا اليوم نموذجان للتقدم هما نموذج الحضارة الغربية الذي استغرق قروناً و الذي يشبه الطهي على نار هادئة، و النموذج الآسيوي (كتجارب تايوان و كوريا الجنوبية و سنغفورة و ماليزيا) و التي بدأت و اكتملت في أقل بكثير من خمسة عقود، و هي تجارب تشبه الطهي السريع. و إذا كان التقدم هو استعمال معطيات العلم الحديث في الرقي بكافة أوضاع و نظم المجتمع و أفراده، فإننا لن نجد في تاريخ الإنسانية خلال القرون الخمس الأخيرة نموذج ثالث للنموذجين الذين أشرت إليهما.
و إذا كنا جميعاً لا نحب لمجتمعاتنا احتمال النجاح في إحراز التقدم بعد أربعة أو خمسة قرون، فإنه لا يبقى أمامنا إلا النموذج الآسيوي الذي تقتفي أثره اليوم بلدان أخرى غير التي ذكرتها. و هذا النموذج و إن كان "العلم الحديث" هو عصبه أي أن تطبيقات العلم الحديث في سائر النواحي هي التي أتت بالثمرة المرجوة أي الإزدهار و التقدم فإن الحقيقة هي أن "الإدارة" هي عصب هذا النموذج و ليس العلم. بمعنى أن أساليب و تقنيات الإدارة الحديثة هي (برؤية استراتيجية حكيمة) التي فتحت المجال أمام معطيات العلم الحديث لإصلاح ثم تقدم المجتمع و ليس بفتح المجال أمام الأوهام و الخرافة و الأساطير.
و تقنيات علوم الإدارة الحديثة عديدة منها القيادة، و الإدارة المثلى للموارد البشرية، و تنمية روح الفريق، و اكتشاف القدرات بشكل مبكِّر و بالذات ما بين "العمويين" و "المتخصصين"، و إدارة الجودة الشاملة TQM (بأجنحتها الثلاثة الرئيسية: تخطيط الجودة و جودة المتابعة و جودة المراجعة)، و التدريب المستديم من بداية إلى نهاية الحياة العملية لكل إنسان، و تأصيل قيم التعددية و علوم التسويق الحديثة. و من المهم للغاية التنويه بأن كل هذه التقنيات و العلوم و الأساليب و القيم هي "إنسانية" بمعنى انه لا توجد حضارة و لا يوجد مجتمع و لا يوجد دين من حقه الزعم بأنه منبت هذه النظم و الأساليب و القيم كما انه لا يحق لأي جهة من هذه الجهات القول بأن هذه النظم و الأساليب و القيم تتناقض مع خصوصياتها الثقافية، فمثل هذا القول هو بمثابة إنتحار حضاري.
و لكن من المهم للغاية توضيح انه ما لم يكن المجتمع مستعداً لإتاحة الفرصة لتقنيات و أساليب الإدارة الحديثة لكي تعالج علل المجتمع و تنهض به و تدفعه تجاه الإزدهار و التقدم، فإن إجهاض محاولات الإدارة الحديثة للإنقاذ و إحداث التقدم يكون مؤكداً. و معنى ذلك أن توفر إرادة سياسية بالسماح لآليات و تقنيات و أساليب الإدارة الحديثة لقيادة المجتمع صوب الأفضل أي صوب التقدم هي ركن الأساس لحدوث التقدم المنشود.
و قد كنت و لقرابة عقد كامل من الزمن الرئيس و المدير التنفيذي لعدد كبير من شركات البترول العالمية ذات الثقافة المؤسسية الراقية التي نمت و نضجت عبر قرنين من العمل على مستوى العالم. و خلال تلك السنوات كنت أرى كل يوم كيف تعمل الثقافات المحلية في منطقتنا (بكل جهدها) لإجهاض ما يمكن أن تحققه تقنيات و آليات و أساليب الإدارة الحديثة. و كان قراري من اليوم الأول أن ولائي المطلق هو لمجموعة القيم التي أؤمن بها و ليس لجانب لمجرد إنتمائي له عرقياً أو جنسياً أو دينياً أو ثقافيأً. و سأضرب بعض الأمثلة: لعشر سنوات كنت أواجه يومياً مئات الضغوط من عدد من حكومات منطقتنا لإلحاق شباب بالعمل بمؤسسات كنت أتولى رئاستها دون أن يمر هؤلاء الشباب بمفرزة التعيين الصارمة في تلك المؤسسات و كان إصراري صارماً و مطلقاً أن لا يكون هناك استثناء حتى لو كان هؤلاء الشباب أبناء و بنات الحكام أو الوزراء أو الكبراء. و للقارئ أن يتخيل ردود فعل أصحاب النفوذ و السطوة في مجتمعاتنا على موقف كهذا. و كمثال آخر، فقد كنت أرفض قبول أية استثناءات لقواعدنا الصارمة في مجالات مثل السلامة المهنية و الصحة و البيئة. و للقارئ أن يتخيل مدى الصراع الذي كان يقوم به منطقين: منطق أنتمي إليه يقول أن كل الحوادث في العمل كان يمكن تجنبها، و إن الخطأ البشري هو المسئول عن كل الحوادث، و إن الإكتفاء بالتسليم بأن الحوادث قضاء و قدر يخالف العلم. ذات يوم أوقفت العمل في أحد حقول الغاز الطبيعي لأن مقاول مَحلِّي تسبب في انفجار أودى بحياة عشرة من العاملين. و تلى ذلك إنهاء التعاقد مع هذا المقاول (الحكومى) و عدم إسناد التعاقد لمقاول آخر إلا بعد ثبوت تحلِّيه بنظم إدارة متقدمة في مجال السلامة المهنية. و في عشرات المجالات و النواحي كانت ثقافة المؤسسة العصرية القائمة على العلم و الموضوعية في حالة صدام يومي مع قيم أقل ما توصف به انها قيم ما قبل عصر العلم و التقدم.
و هكذا، فإننا و إن لم يكن أمامنا لتحقيق النهضة و بلوغ التقدم الذي بلغه آخرون (مثل ماليزيا المسلمة، و سنغفورة البوذية، و كوريا الجنوبية التي نصف شعبها اليوم من المسيحيين) إلا سفينة الإدارة الحديثة بتقنياتها و آلياتها و نظمها فإن حدوث ذلك مستحيل إذا كان المجتمع رافض لتلك الآلية و لم تكن هناك إرادة سياسية تفتح المجالات أمام عربة الإدارة الحديثة لإنجاز المهمة المنوطة بها.
و قد يبدو الأمر سهلاً، و لكنه ليس كذلك على الإطلاق. ففي مجتمعاتنا حيث يركب الساسة على أكتاف كل المجتمع بوجه عام و على كل المؤسسات بشتى صورها بوجه خاص، فإن حرية الإدارة الحديثة في إحداث التقدم تكون منعدمة.




















