الياس حرفوش
نهايات شهر العسل تكون دائماً صعبة. شهر يعبر دائماً بسرعة ولا تبقى بعده سوى هموم الفواتير ومصاريف الاولاد ورزمة من النفقات لا تنتهي.
شهر عسل باراك اوباما في البيت الابيض كان قصيراً نسبياً. فالرئيس الذي جاء على ظهر عاصفة عارمة من التأييد، كان يفترض أن تتيح له، مع مجلسين للشيوخ والنواب يدعمان خطه السياسي، أن يمرر أي تشريع يراه مناسباً. الآن وبعد أقل من تسعة اشهر من جلوسه على المقعد الاول في الولايات المتحدة، وبعد حملة تاريخية زالت معها من طريقه كل الحواجز العرقية والسياسية، لتحقق ذلك الانتخاب التاريخي، يعود باراك اوباما رئيساً مثل اسلافه، مضطراً لمصارعة الكونغرس واللوبيات النافذة، السياسية والمالية والتجارية، ليستطيع العبور بالقرارات التي يريدها الى التنفيذ.
على جبهتين في الداخل يحارب اوباما، وعلى جبهات عديدة في الخارج، معظمها في منطقتنا. ووعد التغيير، ذلك الشعار الجذاب الذي سهّل له الحصول على اصوات الناخبين، اخذ يترنح تحت ضغوط الجمهوريين، الذين يلتقي معهم عدد من الاعضاء المحافظين من حزب الرئيس داخل الكونغرس.
في الداخل يخوض اوباما معركة الضمان الصحي بمشروع ينوي توسيع هذه الخدمة لتطال العائلات الاميركية التي لا تتيح لها ظروفها المالية توفير مثل هذا الضمان من جيوبها، وفرض انظمة صارمة على شركات التأمين الصحي التي تحقق ارباحاً طائلة. كما يخوض معركة في مواجهة اباطرة المال والبنوك في وول ستريت، الذين دعاهم اوباما، في مناسبة ذكرى انهيار «ليمان براذرز» الى اعتماد ثقافة اخرى في تعاملهم مع هذا القطاع، والتمتع بحس المسؤولية وعدم العودة الى جشعهم السابق وتكديس العلاوات والمكافآت الخيالية التي ارهقت ميزانيات المصارف وادت ببعضها الى الافلاس.
معركتان سيكون فيهما الانتصار صعباً. اذ يواجه الرئيس اوباما ثقافة رأسمالية اصيلة في الولايات المتحدة، عجز اسلافه عن القفز فوقها. الاصوات المعارضة للمعركتين ترفع في وجه اوباما شعارات تتهمه انه شيوعي، او اشتراكي في افضل الاحوال. ناهيك باتهامات «التخوين»، بناء على لون بشرة الرجل وعلى اصله الافريقي. داخل الحزب الجمهوري اعضاء يجمعون التواقيع على عريضة تدعو الى فرض قيود على المرشحين للرئاسة اعتباراً من عام 2012 وتشترط ان يكون المرشح من مواليد الولايات المتحدة، والهدف طبعاً هو قطع الطريق على امكان تقدم اوباما بترشيحه لولاية ثانية. قد يكون مثل هذا المشروع مثيراً للسخرية، خصوصاً ان حظوظه قليلة، لكن مجرد طرحه يعطي فكرة عن الحملة التي تواجه الرئيس الاميركي على اكثر من صعيد. التهمة الجاهزة الاخرى التي يعيش عليها الجمهوريون وتلقى ترحيباً، نظراً لشعبيتها، هي رفض تدخل الدولة في الحياة اليومية للناس. لهذا السبب اثار الذعر الخطاب الذي القاه اوباما بمناسبة افتتاح العام الدراسي، ودعا فيه الاهل الى مشاركة المدرسة في تحمل المسؤولية في تربية اولادهم، الامر الذي اعتبر تدخلاً في الامور العائلية من قبل «الاخ الاكبر».
في الخارج هناك تعقيدات افغانستان وما يعد به العراق من مشاكل، فضلاً عن تلك المعركة المفتوحة مع بنيامين نتانياهو، والتي باتت نتائجها ظاهرة بوضوح منذ الآن.
في افغانستان تتقدم «طالبان» ويتزايد عدد القتلى في صفوف القوات الاميركية. والوعد الذي قطعه اوباما بزيادة عدد قواته يتجه الى التجميد بعد أن أعلن اعضاء بارزون في الحزب الديموقراطي أنهم لا يرحبون بمثل هذه الخطوة الآن. وقد اكد الناطق باسم البيت الابيض أن قرار زيادة القوات تم تأجيله الآن بعد اعادة تقييم جدية للوضع هناك. ويصطدم هذا التجميد بموقف القيادة العسكرية التي تطالب بتوفير كل الامكانات لكسب المعركة.
واذ يدور الجدل حول الخطة الافضل لافغانستان، ويحاول اوباما ان يلقي العراق خلفه، معتبراً أن معركته الرئيسية مع «القاعدة» هي على جبهة اسامة بن لادن، يخرج الجنرال راي اوديرنو قائد القوات الاميركية في العراق ليدعو الى عدم نسيان هذه الجبهة التي لا تزال تنزف، كما قال. واكد ان الخطر لا يزال قائماً من تدهور الوضع الامني في العراق من جديد، وخصوصاً عشية الانتخابات المقررة في كانون الثاني (يناير) المقبل.
مع كل هذه التعقيدات، هل ستبقى اية فرصة امام اوباما للتفرغ لبنيامين نتانياهو؟ بل هل سيقدر على ذلك بينما يخوض حروبه مع اللوبيات الاخرى داخل الولايات المتحدة؟




















