هل تشكل الإتهامات الصادرة عن لجنة تقصي الحقائق الدولية و الموجهة الى الجيش الإسرائيلي بارتكاب جرائم حرب، وجرائم ضد الإنسانية، أثناء العملية العسكرية التي شنها ضد قطاع غزة أواخر العام الفائت بداية مسار لإحقاق العدالة الدولية ولمحاسبة إسرائيل على الجرائم التي ارتكبتها في حق المدنيين الفلسطينيين في غزة؟ أم أن إسرائيل ستنجح في الإلتفاف على نتائج التحقيق وفي احباط أي محاولة دولية لمعاقبة المسؤولين السياسيين والعسكريين من ضباط وجنود ارتكبوا عن سابق تصور وتصميم "جرائم حرب" ضد الفلسطينيين العزّل؟ وهل الرفض الفلسطيني والعربي لمساواة التقرير بين حركة "حماس" والجيش الإسرائيلي في ارتكاب جرائم حرب ضد المدنيين سيؤدي الى تضييع الفرصة على الفلسطينيين في النيل من إسرائيل ومعاقبتها على جرائمها؟
الأمر الأكيد الآن أن التقرير شكل صفعة قاسية لإسرائيل لأسباب عدة في طليعتها أنه صادر عن قاضي تحقيق دولي هو ريتشارد غولدستون اليهودي الأفريقي الجنوبي المعروف عنه عداؤه الشديد لنظام التمييز العنصري في أفريقيا الجنوبية، ولكن الذي يعرف عن نفسه بأنه صهيوني وصديق لإسرائيل. وصدور هذه الإتهامات عنه بالذات سيؤدي الى ادانة واسعة لإسرائيل. الأمر الثاني الذي لا يقل أهمية انها المرة الأولى التي تقوم فيها لجنة تقص دولية بالطلب الى الأمم المتحدة ومجلس الأمن ملاحقة إسرائيل وفق الفصل السابع وتحويلها الى المحاكمة الدولية في حال عدم استجابتها لمطالب اللجنة وقيامها بتحقيق جدي وناجع، ومحاسبة كل من يظهر التحقيق أنه ارتكب جرائم ضد الإنسانية.
منذ انتهاء العملية العسكرية "الرصاص المصبوب" في غزة تعالت أصوات كثيرة تطالب بملاحقة إسرائيل لارتكابها جرائم ضد الإنسانية. التحرك بدأته لجان الدفاع عن حقوق الإنسان، ثم انتقل ليصبح تحركاً دولياً لا سيما في ظل الضرر الكبير الذي تعرضت له منشآت الأمم المتحدة في غزة على يد الجيش الإسرائيلي.
طوال الفترة التي قضتها لجنة التحقيق الدولية في جمع الحقائق واجراء المقابلات مع الجنود الإسرائيليين الذين شاركوا في القتال في غزة واعترفوا أمامها بارتكابهم الكثير من التجاوزات أثناء قيامهم بمهماتهم؛ طوال تلك الفترة تعاملت إسرائيل باستخفاف ازاء عمل اللجنة وتجاهلته. وها هي اليوم تواجه أقسى اتهام دولي لها. فالقضية لا تنحصر فقط في استخدام الجيش الإسرائيلي المدنيين دروعاً بشرية، ولا في التدمير المتعمد لكل أسس البنية التحتية في غزة وتحويل قسم كبير من أهل القطاع لاجئين مرة أخرى من دون مساكن، ولا في الاعتداء على آبار المياه والمستشفيات، ولا في تخريب الأراضي الزراعية وجعلها غير صالحة؛ وإنما الشيء الأساس الذي سيسلط عليه التقريرالأنظار تظهير الصورة الحقيقية لإسرائيل رغم انسحابها من غزة، فهي مازالت قوة احتلال تحاصر وتقمع وتعتقل وتقطع الكهرباء وتمنع وصول المواد الغذائية والطبية.
في هذه المعركة الدولية التي فتحها تقرير لجنة تقصي الحقائق من المنتظر أن تلجأ إسرائيل الى كل الوسائل لإحباط النتائج ودحض الاتهامات. في طليعتها تصوير التقرير بأنه انتصار للتنظيمات العسكرية التي تخوض حرب عصابات ضد إسرائيل وتستغل كونها تنظيمات غير تابعة لدولة كي توجه ضرباتها من دون ان تتعرض للمساءلة من جانب الهيئات الدولية او القانون الدولي. وستضرب إسرائيل على وتر حساس بالنسبة للغرب عندما ستدّعي أن هذا سيضعف الحرب على الإرهاب، وسيكبل ايدي كل الدول التي تخوض حرباً ضده لا سيما الولايات المتحدة التي تورطت في الفترة الأخيرة بأكثر من عملية فاشلة ضد قوات "طالبان" دفع المدنيون العزل ثمنها ومن الممكن تحويلها هي أيضاً موضوع تحقيق دولي.
تتزامن اتهامات لجنة التحقيق الدولية اسرائيل بارتكاب جرائم حرب في غزة، مع موجة من التحذيرات والتهديدات الإسرائيلية للحكومة اللبنانية ولّلبنانيين من رد إسرائيلي قاس في حال تجدد قصف الكاتيوشا على شمال إسرائيل من لبنان. منذ أواسط السبيعنات والمدنيون في لبنان، الفلسطينيون منهم واللبنانيون على حد سواء، يدفعون الثمن الباهظ لحرب دمرت أسس العيش والحياة الآمنة، وما زالت تهددهم في كل لحظة. معاقبة إسرائيل على ارتكابها جرائم حرب ضد غزة سيجبرها على لجم جبروتها وسيجعل كل تحرك عسكري لها تحت رقابة المجتمع الدولي الصارمة.
والأمل أن تتلقف الدول العربية هذه المناسبة وتوحد جهودها لتحويل نتائج التقرير مساراً دولياً لمحاسبة إسرائيل، والأهم ألا يؤدي رفض التهم التي وجهها التقرير الى حركة "حماس" الى تضييع أهم فرصة للمدنيين العزل في غزة للاقتصاص من إسرائيل.




















