مراجعة: ريتا فرج
المستقبل –
حين خلص إبن خلدون الى أنه من عوائد العرب "الخروج عن ربقة الحكم وعدم الانقياد للسياسة"، وحين صاغ رواد الإصلاح في الإسلام، مفهوم المستبد العادل كجواب على أزمة القلق التي تعتري بُنى المُلك، يخال القارئ للواقع العربي/ الإسلامي الراهن أن إشكالية بناء الدولة التي مثلت هاجساً للعديد من المفكرين والفلاسفة، لم تأخذ دورتها الكاملة بعد، داخل مجتمعات لم يفلح قادتها ولا شعوبها، في النهوض من أزمات الحكم المتتالية، والتي إن دلت على شيء، فعلى حدة الخلاف بين الحاكم والمحكوم، لأسباب ترتبط بالدرجة الأولى، في السياقات التاريخية التي أوصلت مجتمعاتنا الى فقدان تطورها التدريجي، بغية توطيد دعائم الدولة الحديثة كما حدث في الغرب؛ ولعل مؤشرات هذه المسألة لا تعود الى الأزمنة المعاصرة، بل ترتبط بالتحولات التي خبرها هذا المجال الجغرافي بدءاً من سؤال الخلافة وفتنها المتنقلة، مروراً بسقوط الامبراطورية العثمانية عام 1924 وما تولّد عنها من حِراك ديني/ سياسي، وصولاً لإنحسار المشروعات القومية لصالح الإسلاموية المأزومة، وما أعقبها من توسع دائرة العنف المتزامن مع الغزوات المتكررة للامبريالية بردائها الاوروبي سابقاً والاميركي لاحقاً. والحال، ما الذي تغير بين الأمس واليوم؟ وهل تأسيس الديكتاتورية وتوريثها في الأنظمة العربية هو الذي منع توطيد دعائم الدولة؟
في كتاب العلاَّمة خليل أحمد خليل الموسوم " تصادم الخلافات والوصايات على أرض الإسلام الغابر والحاضر" إجابات تحليلية مفصلة لإشكالية تعثر قيام الدولة في المجالين العربي والإسلامي، منذ محنة إجتماع السقيفة وتبعاتها المتجددة الى أزمة لبنان والعراق وفلسطين الراهنة؛ وقد قُسِّم الكتاب الى مدخل وستة فصول، افتتحه الكاتب بجدلية التصادم السياسي/ الاجتماعي ما بعد النبي (صلعم)، وما تلاها من صراعات على خلفية الحكم أو الخلافة، التي لم تتأطر بنص قرآني، أو سنِّي صريح ما عدا { وأمرهم شورى بينهم }، وعند استحضاره للبانوراما التي أعقبت هذه المرحلة الزمنية، يستشهد بـ تاريخ الخلفاء لجلال الدين السيوطي، ويستنتج أن التورخة التي اتبعها لم تخرج عن حيز الإسقاط المذهبي أو الايديولوجي؛ غير أن أهم ما يمكن استنتاجه من هذا الكتاب التأسيسي، خلاصة جوهرية مفادها، أن غياب مركزية الدولة المتنقلة بين الشام وبغداد والأندلس واسطنبول أفضت الى إفشال مشروع الدولة، وأسهمت في بلورة فراغ سياسي/ إجتماعي عماده العنف، والانقلابات المباغتة، واستنزاف الاستقرار، لأسباب تتعلق بصِدام الهويات والإثنيات والوصايات.
بعد استقرائه للمرحلة التي تلت سقوط بغداد عام 1258 أو ما يسميه الكاتب " سقوط العولمة الإسلامية" وتحليله لذهنية التوريث العربية/القبيلة التي أدت الى الاستبداد العائلي بأمر الجماعة، يعالج خليل تداعيات الصراع العثماني _ الصفوي وما آل اليه التغالب بينهما، فتحولت الدولة الناشئة في إيران ما قبل الخمينية وما بعدها الى دولة مذهب، في حين أن تركيا بعد سقوط السلطنة أصبحت دولة علمانية، والأهم من ذلك التساؤلات التي يطرحها الكتاب حول مشروع الشيعية السياسية وامتداداتها، وسعيها الى بناء امبراطوريتها في مواجهة السلفية السنية، مؤكداً أنه في عام 1965 إطلع للمرة الأولى، مشافهة من السيد موسى الصدر، "على مشروع امبراطورية شيعية وكنا لا نزال في عهد الشاه محمد رضا بهلوي، وفهمنا أن ذلك المشروع الايراني، هو من تصميم أميركي قوامه شطر العالمين العربي والاسلامي بوهم أن كلا منهما سائر نحو إعادة تأسيس إمبراطوريته"، وبذلك تحولت الشيعية السياسية من الإصلاحية الى الثورية بدعوى تصدير المقاومات وصدّ العنف السياسي الوافد من المدّ التوسعي الاميركي. وعليه وفي قراءتنا للتصادم الاميركي _ الايراني الراهن على خلفية الملف النووي، يمكن الخروج بأن هذه الحالة لا تهدف إلاَّ لتكريس الوصايات على الشرق الأوسط الجديد أو الكبير، الأمر الذي أنتج حروباً متنقلة بين لبنان وفلسطين والعراق وأفغانستان وباكستان، وبالتالي هَدَم الدعائم التي من المفترض أن تتأسس عليها الدولة القادرة والعادلة، بفعل الأزمات البنيوية الداخلية، وتأثير الوصايات الخارجية على ديار المسلمين، وزوال الدولة القومية، مما دفع بيار كلاستر الى وصف هذه الحالة بمجتمعات اللادولة.
وبعد إن أزمة بناء الدولة في الحاضرة العربية/ الإسلامية، مع ما يرافقها من تاريخ مثقل بالانشطار المذهبي والمرجعي، أدت الى خلق كيانات مضطربة، لم يعرف مجالها سوى أنماط العنف السياسي المتنقل عبر الزمان والمكان، والذي بدوره يتوسل الديني لصالح مآربه، كل ذلك في ظل هيمنة أوروبية سابقة وأميركية لاحقة، أدخلت العالم في الفوضى على وقع تصادم الديانات التوحيدية وحروبها الوجودية؛ وهنا يقارع الكاتب الفكر السياسي والديني والتاريخي الذي برأيه أفشل مشروع الدولة بالمعنى الحديث، ويرى أن الإسلام المبكر لم يعرف مفهوم الدولة، فأصبح الحكم بذلك ملكياً وراثيا،ً أو جمهورياً وراثياً.
وفي مقاربة تتعدى الزمان والمكان يُقيم الكاتب مقارنة لقبائل العرب بين ابن خلدون وابن بوش، ويتساءل مجدداً ما الذي تغير بين الأمس واليوم؟ ويستنتج بأن المرحلتين شهدتا صراعاً محموماً بين البدوات والطوائف، مع فارق التوقيت، وثبات العوامل المسببة للتحارب والتقاتل، فالاول، أي ابن خلدون، أظهر الصورة وكشف عن إنهيار المنظومة الإسلامية؛ والثاني، عَمِل على توظيف وتوسل التقاتل في حروبه المدمرة ما بعد الحادي عشر من أيلول 2001 بغية غزو أرض المسلمين ونهبها.
لا ريب أن الكاتب عالج إشكاليات كثيرة ومعقدة تخطى من خلالها الاطار التنظيري والايديولوجية، مستقرئاً بعقلية العَالِم، سببية الظاهرة المدروسة، الدائرة بكل تجلياتها حول تعثر قيام الدولة في الإسلام الغابر والحاضر، وسط فضاء عالمي باحث عن الاتحاد لمجابهة العولمة وآثارها الارتدادية، فجاء الجواب العربي/ الإسلامي بمزيد من التجزئة والانقسام، في حين اتجهت أوروبا نحو الاتحاد، ودعت للحوار مع العرب، وتأسيس الشراكة معهم منذ مؤتمر برشلونة عام 1995، كل ذلك لمجابهة العملاق الاميركي الذي قسَّم ديار الإسلام تحت عباءة الوصايات الاجنبية، التي تمثل امتداداً عضوياً وإستراتيجياً للغرب النيوليبرالي الذي يعمل الى تحويل الشرق الأوسط الى مجرد أسواق للشركات العالمية.
يبقى أن المعضلة التاريخية لبناء الدولة في ديار الإسلام، التي فقدت سطوتها بفعل لامركزيتها، شكلت الهَّم المعرفي الأساسي للكاتب، ومجدداً فإن الأطروحة التي بين أيدينا تعتبر مدماكاً تأسيسياً لشدّة ما تحويه من أفكار شديدة التشابك، بدعوى سياقها النظري أولاً، وتحولات المشهد السياسي العربي/الإسلامي ثانياً، والإنفراط المتجدد للعقد الاجتماعي بين الدولة والمواطن ثالثاً.
[ الكتاب: تصادم الخلافات والوصايات على أرض الإسلام الغابر والحاضر
[ الكاتب: خليل أحمد خليل
[ الناشر: المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، 2009




















