لقد غيب الموت في دمشق، في 23 تموز الماضي المناضل الوطني والشيوعي البارز الدكتور نبيه رشيدات، عن عمر قد ناهز السبعة والثمانين عاماً. ولقد ودعه الرفاق والأصدقاء، في المجمع الطبي في دمشق في المزة، في جو يغمره الحزن والتأثر، قبل أن ينقل جثمانه إلى مسقط رأسه في مدينة اربد.
وكان في وداعه في اربد حشد كبير من وجهائها وشخصياتها وعدد من القادة السياسيين من رفاقه الأردنيين والسورييين والفلسطنيين. ونعاه العديد من القوى السياسية في كل من الأردن وسورية وفلسطين، وحفلت الدوريات والمواقع الإعلامية بمقالات عن سيرته ونضاله وعلاقاته الاجتماعية وعلاقاته الإنسانية مع مرضاه.
ولد الدكتور نبيه رشيدات في اربد عام 1922، في أسرة ميسورة وقريبة من الأوساط السياسية الحاكمة في الأردن. كان والده عبد الرحمن رشيدات أحد زعماء المنطقة آنذاك، وهو خريج مكتب عنبر في دمشق، ثم درس الحقوق والعلوم السياسية في اسطنبول، وكان في عام 1919/1920 أحد اعضاء المؤتمر السوري الذي أعلن استقلال سورية الطبيعية وتوج الملك فيصل الأول ملكاً عليها. ولقد تقلد والده عدة مناصب في الإدارة والقضاء والسياسة، وعمل في سورية، في كل من الرستن والنبك والشيخ مسكين والمزيريب وقصير حمص وطار العلا في حماة، وفي الأردن في كل من الكرك ومأدبا والطفيلة ومعان، وتبوك في شمال السعودية. وفي عام 1943 عين وزيراً للمواصلات في الأردن. وفي عام 1952-1953 انتخبه مجلس الأعيان عضواً في مجلس الوصاية على العرش مع ابراهيم هاشم وسليمان طوقان بعد تنحية الملك طلال. وكذلك والدة نبيه كانت تنتمي لبيت سياسي، فهي ابنة مفتي صيدا حامد حشيشو الذي انتقل إلى اربد مفتياً لها، و كانت له اهتمامات سياسية وصحفية حينما كان في الأستانة، وهي بنت أخت الشيخ الشافع أبوريشة والد الشاعر عمر أبوريشة.
أتم الدكتور نبيه دراسته الابتدائية في كل من مأدبا والكرك، ودراسته الثانوية في مدينة السلط. وقد تعرف في دراسته على مدرسين وأساتذة وأصدقاء من الذين كان لهم باع مرموق في العمل الوطني والاهتمام السياسي، مثل حسني فريز وسليمان النابلسي وعبد الكريم الكرمي والدكتور صبحي أبو غنيمة وجريس القسوس ومحمد أديب العامري.. ولذلك لم يكن غريباً ان ينخرط الدكتور نبيه رشيدات مبكراً في الشأن العام والعمل السياسي.
انتسب نبيه للمعهد الطبي بدمشق في عام 1941، وتخرج طبيباً في1948. وانتسب خلال دراسته للطب في دمشق للحزب الشيوعي في سورية ولبنان، وحضر مؤتمره الثاني في بيروت في 1943-1944. وعندما استقر في سورية في ستينيات القرن الماضي عاود نشاطه في الحزب الشيوعي السوري وتقلد مناصب مختلفة في قيادته، ورغم انحياز الدكتور نبيه إلى الطرف الآخر أثناء الأزمة الداخلية التي عصفت بالحزب في أواخرعام 1969، لكنه بقي يلعب دوراً سياسياً وطنياً وتحررياً، ومع تواتر انشقاقات الحزب وتزايد تبعيته للسلطة وتفاقم تسلط الفرد، يبدو أن الشقة أخذت تتسع بينه وبين حزبه، وأخذ صوته يعلو في نقد قيادة الحزب في "سلوكها الاستبدادي وتحويل الحزب إلى ملكية عائلية خاصة"، وهذا ما أدى إلى خروجه من الحزب في عام 1993عبر لازمة معروفة، كانت قد استعملت كثيراً في تاريخ الحزب الشيوعي السوري: " لا يوجد أية علاقة للمدعو نبيه رشيدات بالحزب الشيوعي السوري".
كان للدكتور نبيه رشيدات دور كبير في الأردن، فقد نظم مع كوكبة من رفاقه الخلايا الماركسية خلال النصف الثاني من أربعينات القرن الماضي، في عمان واربد والكرك ومأدبا والسلط، وأقام أول علاقة مع عصبة التحرر الوطني الفلسطينية، وأسهم إسهاماً فعالاً في تأسيس الحزب الشيوعي الأردني، بعد أن قررت عصبة التحرر الوطني التحول إلى "الحزب الشيوعي الأردني"، وكان عضواً في أول لجنة مركزية للحزب. وكذلك شارك بفعالية في الحياة السياسية في الأردن في فترة1954-1956، وقد تميز "أبو عمر" بموهبة خطابية وكان خطيباً مؤثراً ومثقفاً وكاتباً. وكذلك فقد اعتقل أكثر من مرة، وفي عام 1948 اعتقل من عيادته في الصويلح غربي عمان، والقي به في مخفر باير على الحدود السعودية لمدة ثلاثة أشهر، على اثر توقيعه على بيان مع تسعة اشخاص يطالب بمحاكمة المسؤولين عن كارثة فلسطين، وبإلغاء المعاهدة البريطانية مع الأردن، وإقامة حكم ديموقراطي برلماني.
ولا يمكننا في هذه المناسبة إلا أن نتكلم على نبيه رشيدات الطبيب الإنسان، فقد كانت عيادته في حي ركن الدين في دمشق، قبلة الكثيرين من المرضى المعوزين والفقراء، وهذا يذكرنا بعيادة صديقه ورفيق عمره الدكتور والمناضل الراحل عبد الرحمن شقير التي كانت للمدعو نبيه رشيدات في باب مصلى في دمشق. كان الطبيبان الأردنيان /السوريان نبيه رشيدات وعبد الرحمن شقير لا يطلبان من المريض أجراً، إذ كان يدفع من تلقاء نفسه ما يقدر عليه، أو لا يدفع شيئاً إذا كان لا يملك المال؛ وفي بعض الأحيان كانا يعطيان المرضى أدويتهم. ولقد أسهما إسهاماً فعالاً في معالجة الفدائيين والمناضلين الفلسطينيين..
إن حزب الشعب الديموقراطي في سورية يتقدم من عائلة الفقيد ومن رفاقه وأصدقائه وكل من عرفه وعايشه بأحر التعازي والمواساة، فقد افتقدنا بغيابه مناضلاً بارزاً وشخصية عربية مرموقة.
هيئة التحرير
**********
نبيه رشيدات الذي عرفته
د. مصطفى أمين
الدكتور نبيه رشيدات، كان مثال المناضل الوطني التقدمي والشيوعي، الذي رفض الجاه والسلطان وهو في ريعان شبابه، عندما استدعاه الملك عبدالله الأول ملك الأردن ثلاث مرات لإغرائه بالمنصب الرفيع مقابل تراجعه عن أفكاره (الشيطانية) والعمل في خدمة الملك. كان نبيه يصر في كل مرة على مطالبه بإلغاء المعاهدة المعقودة بين الأردن وبريطانيا وإجلاء الجيش البريطاني عن البلاد وإقامة حكم ديموقراطي فيها. وقد تحمل نتيجة إصراره على أفكاره التي كانت التشريد ومنع إقامته في عمان. ومع ذلك بقي صامداً وأميناً لأفكاره ومبادئه الوطنية.
كانت القضية الفلسطينية والمآسي التي يتعرض لها الشعب الفلسطيني في مركز اهتماماته ونشاطاته، وقد سعى لتكتيل القوى الوطنية لنصرة القضية الفلسطينية، وكان يأخذ على الحكام العرب تقاعسهم وتراجعهم عن دعم ومساعدة الشعب الفلسطيني.
التقيت لأول مرة بالراحل الكبير في مكتب الحزب الشيوعي في المزرعة في دمشق، وكان قد وصل إلى المكتب مع بعض الرفاق من طلاب الجامعة السورية، وهم يرتدون لباس الدرك السوري، حيث طلب منهم التدرب على استعمال السلاح، وكان الجو مشحوناً ومتوتراً مع سلطة الاحتلال الفرنسي وكان ذلك في عام 1945.
كان اللقاء الثاني بيننا في باريس، فقد كنت سافرت إلى فرنسا أواخر عام 1947 لتحضير الدكتوراة في القانون، وفي عام 1948 تفاجأت بالدكتور نبيه رشيدات يصل إلى محل إقامتي، وصدف أن كان عندي المرحوم مراد القوتلي وحسن البيك وغيرهما. وقد أخبرنا بأنه في طريقه إلى لندن للدراسة التخصصية، وكان لقاءاً حاراً ساده جو من المرح وتبادل المعلومات عن أوضاع الوطن. كان الدكتور رشيدات معتداً بنفسه ومصمماً على إنهاء المهمة التي جاء من أجلها والعودة بسرعة إلى الوطن.
التقيت للمرة الثالثة بالدكتور رشيدات، ولكن في الصين، وكنت أعلم أن نبيه ذهب للصين ومعه عائلته للعمل في قسم اللغة العربية في راديو بكين. وكنت قد سافرت إلى الصين في عام 1960 في عداد الوفد الذي نظمته مجلة "قضايا السلم والاشتراكية" في براغ، وخلال هذه الزيارة طلبت من المسؤول الصيني أن يعطيني الفرصة لزيارة الدكتور نبيه رشيدات في مكان إقامته في بكين. وقد تم تأمين هذا اللقاء وكان عاطفيا وحاراً، وقد وجدت إلى جانبه الصحفي(حنا مينة)، وكانت معرفتي به تعود إلى أيام إشرافي على إصدار مجلة (السلام) بدمشق. تحدثنا عن أحوال الوطن وآخر أخباره. وكان الدكتور نبيه مرتاحاً لما يقوم به من جهود في الإذاعة العربية من بكين.
ودعته وعدت إلى براغ، وقد علمت ان الدكتور رشيدات لم يرضخ لما يطلب منه في إذاعة بكين إذا كان يشكل ضرراً بالقضايا العربية. فقد رفض مثلاً إذاعة تصريح لسكرتير الحزب الشيوعي الإسرائيلي(ميكونيس) الذي كان صهيونياً. وكان الدكتور رشيدات يناقش مع المسؤولين الصينيين كثيراً من القضايا المطروحة للنشر؛ محتفظاً دائماً بحقه في إبداء الرأي, وذلك كله يدل على فكره الذي اعتاد على الاستقلالية وإبداء الرأي بكل حرية. وهذه هي طبيعته التي قادته إلى ترك الحزب الشيوعي(جماعة خالد بكداش) الذي كان يشغل فيه منصب عضو المكتب السياسي. ورأي الدكتور نبيه هذا كان واضحاً في المداخلة التي ألقاها في احتفال الذكرى (75) لتأسيس الحزب الشيوعي السوري وقد قال فيها: " الذي يطالب بالديموقراطية في المجتمع لا يصح أن يكون مقموعاً في حزبه".
كان الدكتور نبيه رشيدات اميناً للمبادئ التي اعتنقها عن قناعة منذ ريعان شبابه، وخاصة إبان دراسته الطب في دمشق، وكان يدافع باستمرار عن انتمائه للماركسية اللينينية. وكان يعتقد بان الاشتراكية المبنية على الديموقراطية والحرية هي مستقبل الإنسانية. وكان أحد ابرز المفكرين والسياسيين في الأردن في أوائل الخمسينات من القرن الماضي.
احتل الدكتور نبيه موقعاً بارزاً في الحزب الشيوعي السوري، ووصل إلى عضوية المكتب السياسي، وكان المسؤول عن تحرير جريدة "نضال الشعب". إلا أن الوضع المتأزم الذي حاصر الحزب وعرضه للانقسام، لم يعد يسمح للدكتور رشيدات بالسكوت عنه وهو الحريص على وحدة الحزب وكشف أسباب أزمته. وقد جاء في كلمته التي القاها في المؤتمر السابع للحزب الشيوعي السوري: " وهنا لابد من الإشارة إلى أن الحزب يعاني من أزمة حادة منذ أكثر من عشرين عاماً، واصبحت العملية التكتيكية مستوطنة فيه وقد ادت إلى ثلاثة انقسامات. إن مأساة التكتيكيين هي انهم يحاولون حل تناقض خطير لمصلحتهم، وهو تحويل الحزب الشيوعي الذي تأسس لتحقيق الاشتراكية إلى ملكية خاصة". وثم يتابع فيقول: " إن قيادة الحزب هي سلطة، وكل سلطة لا توضع تحت الرقابة الدائمة ولا تحاط بجو الحرية والديموقراطية تنمو فيها عناصر الاستبداد، ولهذا يجب تأمين حرية الرقابة وتأمين آلية الرقابة على القيادة وعلى كل عضو من أعضائها.
ما سبق كان كافياً لإقناع الدكتور نبيه رشيدات بالابتعاد عن الحزب وإعطاء كل الجهد لعمله المهني ومعالجة المرضى الفقراء بدون مقابل، بل وكان يقدم لهم الدواء إن كان ميسوراً لديه. وكثيراً ماكان يسأل على حالة المريض الذي يعالجه ويزوره في داره للاطمئنان عليه. وقد اصبحت عيادة الدكتور نبيه رشيدات في شارع ركن الدين تغص بالفقراء المحتاجين، ليس من سكان ركن الدين فقط، وإنما من أحياء دمشق المختلفة.
لقد أمضى الدكتور رشيدات، سنوات في مشافي الدولة، وخاصة في مصح ابن النفيس في دمشق ومصح ابن رشد في حلب. زرته مرتين في عيادته في ركن الدين، وكنت أجده محاطاً بالصحف السورية وغير السورية وكنا نتبادل الراي حول القضايا السياسية الداخلية والخارجية وكنا بشكل عام على اتفاق حول تقدير الأوضاع الداخلية والخارجية.
عندما علمت بأنه امتنع عن الذهاب إلى العيادة، قمت برفقة الصديق الغالي المرحوم ابراهيم بكري بزيارة نبيه في منزله. وتبادلنا الأحاديث وكان ذلك بحضور السيدة ام عمر، زوجته، وعندما غادرنا كنا نشعر بأنه تعب ويحتاج إلى الراحة.
وعندما زرته في المشفى استقبلني شاب عرفني على أنه ابنه عبد الرحمن، وقد علمت أنه سمّاه باسم الدكتور (عبد الرحمن شقير)تأكيداً للصداقة والمحبة التي كانت تربط بينهما منذ خمسينات القرن الماضي.
كان الدكتور رشيدات متفانياً في عمله المهني وأميناً لمبادئه ومتمسكاً بالماركسية اللينينية على انها مرشد للعمل وليست عقيدة ثابتة، وهذا ما يميزه عن بعض القادة الذين حاولوا تطبيق الماركسية باعتبارها عقيدة ثابتة. وهذا ما أدى إلى الانقسامات والتجزئة في صفوف الحزب الشيوعي السوري التي انتقدها بشدة وبإخلاص الدكتور رشيدات.
سيبقى الدكتور نبيه رشيدات أحد الرموز الكبار في الحركة الشيوعية العربية وأحد قادة حركة التحرر الوطني العربية الديموقراطية.
الخلود لذكراك العظيمة……
========================




















