هو عنوان كتاب، ترجمه صديقي موريس جلال عن اللغة الفرنسية، وأهداني نسخة منه طالباً مني قراءته قائلاً: هناك وقائع أوردها المؤلف، وهو طبيب، عن أناس بلغوا مرحلة تقريباً ثم عادوا للحياة. وقد رأوا أشياء غريبة لا أريد ان أتحدث عنها الآن لأنك ستقرأها في الكتاب؛ وقد ترجمت العنوان"الحياة بعد الموات" لأفرق بين الموت الذي لا رجعة بعده والموات الذي يعود بعده الشخص إلى الحياة.
وموريس جلال لمن لا يعرفه، هو من مواليد درعا، وقد تخرج من جامعة السوربون في منتصف خمسينات القرن الماضي، وحاز على شهادة ماجستير في الدب الفرنسي بدرجة امتياز؛ وقد عين استاذاً للأدب الفرنسي في جامعة دمشق.
في عام 1967، وبعد هزيمة الأنظمة العربية المذهلة أصابه وهو الإنسان المتأجج وطنية، نوع من الإحباط والياس وخيبة الأمل. كان يظن أن العرب سيسترجعون ما احتل من فلسطين، وإذ بهم يخسرونها كاملة وفوقها أراضٍ من دول عربية ثلاث تزيد مساحتها على مساحة فلسطين باكثر من ثلاث مرات. قرر ان يغادر البلاد. باع بيته وهاجر إلى غانا.وبعد ان اختبروا مقدرته الفائقة باللغة الفرنسية، قرروا تعيينه مفتشاً عاماً على نطاق الجمهورية.
عندما أهداني الكتاب قال لي: قد تستغرب ما ورد فيه من وقائع، وقد لا تصدقاها لأنك علماني، ولكنها وقائع حدثت فعلاً، وقد أوردها الطبيب المؤلف كما سمعها من أناس مختلفين في أزمنة مختلفة. تحدث عن اناس وصلوا إلى مرحلة قريبة من الموت ثم عادوا للحياة.
أنا هنا لست بصدد مناقشة الكتاب، وليس هو موضوع حديثي، بل الذي دفعني إلى الإشارة إليه هو أنني، وخلال الأشهر الستة الأخيرة، أصبت بفقدان الوعي مرتين، ولثلاثة أيام في كل مرة، ولكنني لم أر ما تحدث عنه الكتاب. وما أود الإشارة إليه هو أنني، على ما يبدو قد الكتسبت مناعة ضد الموت، تماماً تماماً كما يحصل مع من يصاب بالجدري. وهذا لايفرحني، لأنني لا أريد ان أعيش حتى "أُرَدُّ إلى أرذل العمر".
كنت أدردش مع شلة من أصدقائي في هذا الموضوع في بوفيه مكتبة الأسد بعد أن استفسروا عن وضعي الصحي. كان حديثنا ذا شجون. كانت هذه الشلة تضم أصدقاء قدماء بعثيين من موديل خمسينيات القرن الماضي، من الذين انتسبوا للحزب قبل أن يستلم السلطة، عندما كان مضطهداً أيام الديكتاتوريات العسكرية.إنهم من الذين ينطبق عليهم شطر بيت الشاعر"يغشى الوغى ويعف عند المغنمِ..
قلت لهم، إنني أريد أن أعيش إلى المرحلة التي أرى فيها وطني وقد رفعت عنه حالة الطوارئ والأحكام العرفية، وأصبح يتمتع بالحياة الديموقراطية حيث الصحافة حرة والأحزاب تمارس نشاطها السياسي للوصول إلى السلطة عبر انتخابات ديموقراطية ومجالس نيابية لها سلطة سن القوانين ومنح وحجب الثقة عن الحكومة تماماً كما كان يجري أيام حكم البرجوازية الوطنية في منتصف الخمسينات، أي قبل أن تستلموا السلطة ببضع سنوات.
أريد أن أعيش حتى أرى سكان محافظة الذهب الأسود والأبيض والأحمر(النفط والقطن والقمح) يعيشون بكرامة ولا ينتظرون أذلاء صدقات الحكومة توزع عليهم بصناديق فيها البرغل والعدس والسكر والصابون تماماً كما هو الحال مع لاجئي دارفور.
أريد ان أعيش حتى أرى مختلسي أموال الدولة بالمفرق وليس بالجملة كما هو الأمر الآن، حيث تورد الصحف أن السلطات المختصة ألقت القبض على خمسين مختلساً في المحافظة الفلانية وثلاثين آخرين في محافظات أخرى، وقد اختلسوا مئات ملايين الليرات. وأريد أن أعيش حتى أرى قضاة لا تأخذهم في الحق لومة لائم.
إلى هنا الأمر طبيعي. ولكننا لاحظنا فجأة، أن أحدهم يجلس إلى طاولة قريبة من طاولتنا يتنصت علينا. ذهب ثم عاد ومعه شخص آخر. لاحظنا ان الشخص الآخر يكتب ما يملي عليه المتنصت. يبدو أن المتنصت نصف أمي فا ستدعى الآخر ليملي عليه. تعمدنا أن نتحدث بصوت عالٍ منتقدين الفساد وغيره لكي يسمعنا جيداً. حديثنا لم يقتصر على الأوضاع الداخلية، بل تحدثنا عن لبنان وايران وحماس وفتح ودارفور والأزمة الاقتصادية العالمية. الحديث عن الوضع الداخلي لا يحتاج لأكثر من خمسة أسطر، ولكن صاحبنا أملى على زميله أكثر من صفحتين. ذهبنا وهو لا يزال يملي. ربما يظن أنهم يعطونه مكافأة على عدد الكلمات.
قلت لجلسائي: تصوروا أيها الأصدقاء أن الدولة تقتطع من دخلنا المحدود وتعطيه لأناس يراقبوننا. نحن ندفع أجرة مراقبتنا! هل سمعتم دولة في العالم تستدعي مواطنناً وتساله ماذا تحكي علينا؟؟
لقد أخطأوا الهدف. فنحن لسنا أعداء الوطن الذين يجب مراقبتهم. نحن الشرفاء في هذا الوطن. نحن قلبنا على الوطن. ولهذا ننتقد السلبيات وسنبقى ننتقد.
==================




















